نشر موقع «وورلد سوشياليست» مقالًا للكاتب «بيتر شوارتز»، ينظر في أبعاد انسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا من منظور اشتراكي.

يقول الكاتب في مستهل مقاله إن الولايات المتحدة تعتزم سحب ثلث جنودها المتمركزين في ألمانيا، والذين يبلغ عددهم 36 ألف جندي، حسبما أعلن وزير الدفاع الأمريكي «مارك إسبر» في مؤتمر صحفي عقده في واشنطن يوم الأربعاء 29 يوليو (تموز)، وكان الانسحاب متوقعًا منذ هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرارًا «بمعاقبة» ألمانيا بتلك الطريقة؛ لأنها لم تكن تنفق بالقدر الكافي على الجيش.

كان الرقم الذي أعلنه إسبر مرتفعًا إلى حدٍ مدهش، وبينما كان الحديث يدور عن مغادرة 9500 جنديٍّ لألمانيا، يغادر الآن 11900 جندي. ومن المقرر نقل نحو 5600 جندي إلى مواقع أخرى في أوروبا، كما تجري إعادة 6400 إلى الولايات المتحدة.

دولي

منذ سنة واحدة
بعد 75 عامًا من سقوط النازية.. هل يعود اليمين المتطرف لحكم ألمانيا؟

هكذا ستتأثر مراكز القيادة في منطقة «شتوتغارت» 

تتأثر مراكز القيادة في منطقة «شتوتغارت» تأثرًا خاصًا؛ على سبيل المثال، من المقرر أن تُنقل القيادة العليا للقوات الأمريكية في أوروبا إلى مقر حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بلجيكا، وكذلك قيادة العمليات الأفريقية إلى مكان لم يُكشَف عنه بعد، وسوف يُنقل سرب من الطائرات المقاتلة من قاعدة «شبانغدالم» الجوية على نهر الإيفل إلى إيطاليا، فضلًا عن كتيبة دبابات مدولبة (ذات عجلات) من منطقة «فيلزيك» في ولاية بافاريا إلى الولايات المتحدة.

وفي حين برر ترامب الانسحاب مرة أخرى على تويتر يوم الخميس الموافق 30 يوليو (تموز)؛ عندما قال إن ألمانيا مقصرة «بمساهمتها المقدرة بنحو 2% من إجمالي ناتجها المحلي في نفقاتها الدفاعية في حلف الناتو»، استشهد إسبر بأسباب تتعلق بالسياسة الأمنية، وزعم أن نقل القوات يزيد من قوة الردع ويعزز الحلف، ويطمئن الحلفاء.

ويشير الكاتب إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة وألمانيا تراجعت إلى نقطة متدنية؛ إذ باتت العديد من التوترات والصراعات تُفَرِّق شمل «الشريكين» السابقين. وتتراوح تلك الخلافات من خط أنابيب الغاز «نوردستريم 2»، الذي تعرقل الولايات المتحدة إتمامه بكل السبل الممكنة، إلى الصراعات التجارية المتنامية، والاتفاق النووي مع إيران، والاتفاقات الدولية لنزع السلاح النووي، والموقف من التعامل مع الصين؛ على سبيل المثال لا الحصر.

Embed from Getty Images

التوترات بين أمريكا وألمانيا ليست جديدة

ويُنوِّه الكاتب إلى أن التوترات بين واشنطن وبرلين ليست جديدة؛ فقد كانت هناك بالفعل خلافات حول حرب العراق في عام 2003م، والحرب في ليبيا في عام 2011م، ولكن هذه التوترات بلغت الآن مستوى من الخطورة لم تشهده العلاقات بين البلدين منذ الحرب العالمية الثانية، لافتًا إلى أن القوتين اللتين حاربت كل منهما الأخرى في حربين عالميتين استعماريتين تواجهان بعضهما بعضًا في عداوة متنامية.

حتى الآن، استفاد الجانبان من الناتو؛ فقد كانت القواعد الأمريكية في ألمانيا بمثابة مركز استراتيجي محوري للحروب الأمريكية في الشرق الأوسط وأفريقيا؛ إذ نقلت القوات والأسلحة عبر ألمانيا، كما كانت العمليات تُوجَّه من هناك، وكذلك كان يجري التحكم في الطائرات المقاتلة بدون طيار من أراضيها. ولم تقيِّد أي حكومة ألمانية حتى الآن أو تحاول منع مثل هذه العمليات.

ويضيف الكاتب أن ألمانيا والولايات المتحدة تعملان أيضًا على نحو وثيق في إطار التعاون بشأن تحركات الناتو ضد روسيا، وتُعَد ألمانيا منطقة الانطلاق الأكثر أهمية بالنسبة لوحدات الناتو المنتشرة على حدود أوروبا الشرقية مع روسيا، ويزعم إسبر أن انسحاب القوات من ألمانيا لن يغير هذا الوضع؛ لأن الوحدات التي استدعتها الولايات المتحدة ستظل مستعدة لعمليات دورية في دول أوروبا الشرقية.

لكن الخبراء يشككون في تلك المزاعم؛ ففي مقال مشترك نشر في صحيفة «تاجس شبيجل»، علق وزير الخارجية الألماني السابق زيجمار جابرييل (الحزب الديمقراطي الاجتماعي)، ومدير معهد الاقتصاد الألماني مايكل هثير، وخبير السياسة الخارجية في الاتحاد الديمقراطي المسيحي نوربرت روتجين بالقول: «إن قرار واشنطن يلحق الضرر مرة أخرى بأُسس الثقة التي بُنيت على مدى عقود بين شركاء الأطلسي، وبتماسك الغرب وفعاليته السياسية العالمية كذلك، وهو ما سيكون محل اهتمام من الأنظمة الاستبدادية والجهات غير الليبرالية التي يطيب لها ما يحدث».

وفي الولايات المتحدة أيضًا، يوجه الديمقراطيون والجمهوريون انتقادات كبيرة لخطط الانسحاب التي أعلنها إسبر وترامب من جانب واحد دون تصويت في حلف الناتو، وأعلن السيناتور الجمهوري مِيت رومني، على سبيل المثال، المعارض المحلي لترامب، أن انسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا سوف يكون «هدية لروسيا».

ويلفت الكاتب إلى أن العديد من المعلقين الألمان يأملون أن تتوقف خطة الانسحاب – التي تتطلب موافقة الكونجرس بسبب التكاليف الباهظة – بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر (تشرين الثاني) على الأكثر، ولكن هذا لن يغير شيئًا يُذكَر من التوترات المتنامية عبر الأطلسي.

Embed from Getty Images

ترحيب ألماني بالانسحاب الأمريكي

أما في ألمانيا، فرحب ممثلو الحزب اليساري، وبعض الديمقراطيين الاجتماعيين، على وجه الخصوص، بالانسحاب المعلن للقوات، وعلق مؤسس وزعيم الحزب اليساري السابق جريجور جيسي على موقع «تويتر» بقوله: «انسحاب القوات الأمريكية: لم أنل كفايتي من العقاب، إذا كان هذا هو العقاب الوحيد الذي يستطيع #ترامب أن يقدمه لي».

وتؤكد هذه التغريدة السخرية اللاذعة لجيسي، وكشفت منصة «ويكيليكس» بالفعل قبل 10 أعوام عن دعم جيسي لاعتماد بلاده على نفسها عسكريًّا؛ ففي برقية دبلوماسية نشرتها المنصة وصف السفير الأمريكي آنذاك «فيليب مورفي» زيارة قام بها السياسي من الحزب اليساري إلى السفير الأمريكي في برلين، ووفقًا لما ذكره مورفي لواشنطن، أكد له جيسي «بطريقة ودية وفي لحظة دردشة» أنه لا يقلق بشأن موقف الحزب اليساري تجاه الناتو.

والآن يتظاهر جيسي بأن إعلان انسحاب القوات الأمريكية يشكل إسهامًا في نزع السلاح، وفي الواقع، يخدم هذا الانسحاب غرض التصعيد العسكري، من الجانب الأمريكي، وكذلك من الجانب الأوروبي والألماني.

ويتابع الكاتب: بالنسبة للولايات المتحدة يشكل الانسحاب جزءًا من تحول نفوذها العسكري إلى منطقة المحيط الهادئ «الباسيفيكي»، الذي بدأ بالفعل في عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما.

الإمبريالية الأمريكية غير مستعدة لقبول صعود الصين

لم تكن الإمبريالية الأمريكية على استعداد لقبول صعود الصين، بل تستعد الآن لشن ضربة عسكرية ضد القوة النووية. فمنذ بداية جائحة فيروس كورونا المستجد، تزايدت الاستفزازات والاستعدادات الحربية ضد الصين تزايدًا كبيرًا.

وفي الوقت نفسه، ومع الانسحاب الجزئي، تمارس واشنطن ضغوطًا على الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو لزيادة مساهمتها في المواجهة مع روسيا، والوقوف خلف الولايات المتحدة في صراعها مع الصين، وهناك اختلافات كبيرة حول القضيتين، وخاصةً مع ألمانيا، وقد أصبحت الآن تلك الاختلافات عميقة إلى الحد الذي قد يؤدي إلى تفكك الناتو.

وفي حين تلعب برلين دورًا رائدًا في الحملة ضد روسيا، وتقود المجموعة القتالية التابعة للناتو في ليتوانيا، فإنها تستمر في بناء خط أنابيب نوردستريم، الذي ينقل الغاز الطبيعي الروسي عبر بحر البلطيق مباشرة إلى ألمانيا. ومن وجهة نظر برلين فإن هذا يشكل ضرورة أساسية لتأمين إمدادات الطاقة في ألمانيا. فضلًا عن ذلك فقد جرى استثمار 12 مليار يورو بالفعل، وهو ما قد يضيع في حالة التوقف.

Embed from Getty Images

ورغم أن الصحف الأوروبية والألمانية الرسمية أصبحت تشير إلى الصين على نحو متزايد بوصفها «منافسًا استراتيجيًّا»، فإن برلين رفضت حتى الآن تدابير الحرب التجارية؛ كتلك التي تروج لها واشنطن، لأن الصين تشكل أيضًا أهمية حاسمة بالنسبة للاقتصاد الألماني بوصفها سوق مبيعات، وتشير التقديرات إلى أن صناعة السيارات الألمانية، وهي القطاع الأكثر أهمية في البلاد، تحقق ما بين 35 إلى 50% من أرباحها هناك.

خطط الانسحاب الأمريكية تخدم الطبقة الحاكمة في أوروبا

ويضيف الكاتب أن خطط الانسحاب الأمريكية تخدم الطبقة الحاكمة في أوروبا وألمانيا؛ إذ تقدم ذريعة للتعجيل بخططها لإعادة التسلح، وتعج الصحف الألمانية بالتعليقات التي تطالب بضرورة الوفاء بالتزامات الناتو وزيادة الإنفاق العسكري إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي. ورغم أن ألمانيا زادت مؤخرًا من إنفاقها العسكري زيادة كبيرة وتخطط لمشروعات تسليح تقدر بمليارات الدولارات، فإن إنفاقها لا يتجاوز حاليًا 1.38% من الناتج المحلي الإجمالي.

ويرى الكاتب أن الأمر يدور في الأساس حول الاستقلال عسكريًّا عن الولايات المتحدة من أجل دفع مصالحها الإمبريالية دون نفوذ واشنطن، وأيضًا ضدها.

وكتبت «نيو زورشر زيتونج»، الصحيفة السويسرية التي تعلق على الأحداث السياسية العالمية بصراحة ساخرة من منظور البنوك السويسرية، تقول «للوهلة الأولى، ربما كان ترامب قد عاقَب البلاد. ولكن في الحقيقة، فإن انسحاب القوات يفتح الباب أمام فرصة؛ فكل هؤلاء السياسيين الواقعيين، الذين ظلوا يتحدثون طيلة أعوام ضد رأي الأغلبية المناهض لأمريكا جزئيًّا، والناشطين السلميين إلى حد ما في ألمانيا، أصبحوا الآن في وضع أفضل للتغيير».

هل تكفل ألمانيا لنفسها ولشركائها الأوروبيين السلام؟

وتطالب الصحيفة بضرورة أن تصل ألمانيا إلى قرار؛ هل تريد أن تحافظ على الشعور المريح بكونها «أمة سلام»؟ حتى الآن، كان هذا يعني أن آخرين يكفلون لها السلام، أم ستخرج البلاد من بوتقة الظل الذي يمتد من ماضيها، وتكفل لنفسها ولشركائها الأوروبيين السلام؟

وعلى الفور تلقف الدعوة رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي السابق، ووزير الخارجية جابرييل، الذي يشغل الآن منصب رئيس مجلس الإشراف في دويتشه بنك ويترأس المركز البحثي «أتلانتيك– بروك». وفي مقابلة مطولة أجرتها معه الصحيفة السويسرية، دعا إلى تولي ألمانيا دور «الشرطي العالمي»، وقال جابرييل إن السؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو: «من سيحل محل الولايات المتحدة في بيئة السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية؟ ومن سوف يضطلع بالدور الاستراتيجي؟»

Embed from Getty Images

وفي الرد على اعتراض الصحيفة بأن ألمانيا تبدو غير راغبة أو عاجزة على القيام بذلك، أجاب جابرييل بأن هذا «ليس راجعًا إلى عدم رغبة الشعب، بقدر ما يعود إلى عجز أو عدم رغبة الساسة في التحدث علنًا عن هذه التساؤلات الاستراتيجية الحاسمة»، وكان يُعتقد أن ألمانيا «تستخف باستعداد شعبنا وقدرته على معالجة هذه القضايا».

في الواقع، ووفقًا للكاتب، فإن الغالبية العظمى من سكان ألمانيا يرفضون الحرب والنزعة العسكرية؛ إذ إن أهوال حربين عالميتين والجرائم الهائلة التي ارتكبت خلالهما لم تُنسَ، بينما تأتي الدعوة إلى عودة النزعة العسكرية الألمانية حصرًا من الطبقة الحاكمة؛ ففي مواجهة أزمة رأسمالية عميقة، وتوترات دولية متزايدة، وعداوات طبقية شرسة، تعود تلك الطبقة إلى وسائل الحرب والديكتاتورية لتأمين ثروتها وقوتها.

ونتيجة لهذا؛ ظلت الطبقة الحاكمة تقلل من شأن جرائم النازيين لسنوات عديدة، وتسترت أجهزة الدولة على الشبكات الإرهابية اليمينية، وجرى الترويج لحزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف وأعيد تسليح البوندسوير (القوات المسلحة). وهذا ما تؤيده جميع الأحزاب الممثلة في البوندستاغ (البرلمان).

وأصبح حزب الخضر، الذي كان ذات يوم جزءًا من حركة السلام السلمية، حزب الحرب الرائد، حتى إن الحزب اليساري يعبر عن حماسته إزاء البوندسوير، وكان زعيم فصيله البرلماني ديتمار بارتش قد خاض حملة مع رابطة البوندسوير في عام 2017م، لكي يصوت الجنود لصالح حزبه.

لكن، وبحسب ما يختم به الكاتب، فإن المعارضة واسعة النطاق للحرب والنزعة العسكرية تحتاج إلى منظور واستراتيجية؛ إذ يتعين عليها مجابهة إثارة الحروب من كل القوى الاستعمارية، وكذلك يجب أن تجمع بين النضال ضد الحرب والنضال ضد الرأسمالية؛ قضيتها الرئيسة. وهذا هو منظور «اللجنة الدولية للأممية الرابعة» وذراعها الألمانية، «حزب المساواة الاشتراكية».

سياسة

منذ 4 شهور
مترجم: واشنطن أم برلين.. أيهما يحتاج القواعد العسكرية الأمريكية في ألمانيا أكثر؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد