نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تقريرًا سلَّط الضوء على أحدث اكتشاف توصل إليه علماء وباحثون قد يُنبئ عن وجود حياة على كوكب الزهرة.

علوم

منذ 4 شهور
أول كائن حي لا يحتاج أكسجين.. هل وجدنا دليلًا على وجود حياة خارج كوكب الأرض؟

استهل الكاتب التقرير بالقول: «اكتشف بعض الباحثين علامات قد تدل على وجود حياة على كوكب الزهرة، إذ عثروا على غاز الفوسفين، وهو غاز سام، في الغلاف الجوي للكوكب المجاور لكوكبنا، ما يُنبئ عن وجود كائنات فضائية تعيش على ظهر الكوكب».

وأوضح الكاتب قائلًا: صحيحٌ أن هذا الاكتشاف ليس رصدًا مباشرًا للحياة على كوكب الزهرة، لكن الكمية الكبيرة التي اكتُشفت من غاز الفوسفين في الغلاف الجوي للكوكب لا يُمكن تفسيرها من خلال أي عملية معروفة، الأمر الذي دفع الباحثين للتكهن بوجود كائنات فضائية تعيش في مجموعتنا الشمسية. 

بصمة حيوية اسمها غاز الفوسفين

على كوكب الأرض، يُعد غاز الفوسفين من أكثر الغازات السامة وذا رائحة كريهة جدًا تفوق أي رائحة أخرى هو ورائحة السمك المتعفن، والذي قد تستنشق رائحته في أماكن مثل برك الوحل وروث البطاريق. وبينما يُنتج هذا الغاز من خلال بعض العمليات الصناعية، فإنه يتولد كذلك بواسطة بعض الكائنات اللاهوائية مثل: البكتيريا والميكروبات.

ولهذا السبب، يُعتقد أن هذا الغاز هو «بصمة حيوية» أو مؤشر على وجود حياة. وكان الخبراء في الماضي يلمحون إلى أن وجود غاز الفوسفين بكميات كبيرة على الكواكب الصخرية ربما يكون دليلًا مؤكدًا على وجود حياة لكائنات فضائية، وها هم الآن يعثرون عليه على كوكب الزهرة.

Embed from Getty Images

يصف الكاتب قائلًا: إن سطح كوكب الزهرة حار وحامضي، وبالتالي فإن الظروف على أرضه تجعل من الصعب بمكان وجود أي حياة عليها. إلا أن البيئة الموجودة في طبقات السحب العليا فوق الكوكب صالحة للسكنى أكثر، على ارتفاع 35 ميلًا تقريبًا، والظروف هناك أكثر اعتدالًا وهذا هو المكان الذي يُعتقد أن الغاز وجد فيه. 

إن هذه السُحب حامضية جدًا بمعنى أنها ستُدمر غاز الفوسفين هذا بسرعة، وهذا يعني أن هناك شيئًا يساهم بنشاط في تكوين هذا الغاز، إضافة إلى أن كمية الغاز هذه لا يمكن تفسيرها بسهولة بأي طريقة أخرى. 

ليس دليلًا دامغًا بعد.. ولكنه مؤشر غريب

وأشار الكاتب قائلًا: إن فريقًا من الباحثين الدوليين بقيادة جين جريفز من جامعة كارديف أبلغ عن النتائج التي توصلوا إليها في مقال بعنوان «غاز الفوسفين في طبقات سحب كوكب الزهرة» ونشرته اليوم مجلة نيتشر أسترونومي (Nature Astronomy)

ونبه الباحثون إلى أنه لا توجد طريقة لمعرفة ما تعنيه النتائج على وجه اليقين، وخلصوا في ورقتهم البحثية إلى أن هذا الاكتشاف لا يُعد دليلًا دامغًا على وجود حياة، وإنما مجرد اكتشاف مادة كيميائية شاذة ووجودها غير مُفسَّر»، وأن هناك حاجة للمزيد من الأبحاث لمعرفة ما يعنيه ذلك على وجه اليقين. ولكنهم، في الوقت نفسه، استبعدوا كافة التفسيرات الأخرى المبنية على ما نعرفه حتى الآن عن كوكب الزهرة. 

وفي هذا الصدد، قالت إميلي درابيك موندر، عالمة الفيزياء الفلكية من المرصد الملكي غرينتش وواحدة من مؤلفي الورقة البحثية: «إما أن الفوسفين ينتج عن طريق إحدى العمليات الكيميائية أو الجيولوجية التي لا يعرفها أحد، أو أن يكون هناك سبب بيولوجي لوجوده». 

وأكدت إميلي قائلة: «دراستنا لا تجزم أن هذا دليل على وجود حياة، إلا أن المثير في الأمر أننا وجدنا هذا الغاز النادر في الغلاف الجوي العلوي لكوكب الزهرة». وأضافت «لا يستطيع فريق البحث تفسير وجود كمية الفوسفين التي عثرنا عليها من خلال فهمنا الحالي للكوكب. وعندما نحاول تكوين نموذج لما يحدث في الغلاف الجوي – النشاط البركاني أو ضوء الشمس أو حتى البرق – فلا شيء أبدًا يمكن أن يعيد إنتاج كمية غاز الفوسفين التي رأيناها».

خطوة على الطريق

وينقل الكاتب عن ديفيد كليمنتس، عالم الفيزياء الفلكية في إمبريال كوليدج في لندن وأحد مؤلفي الورقة البحثية أيضًا، وصفه للنتائج مستخدمًا مصطلحات الجريمة إذ يقول: «هذا ليس دليلًا قاطعًا، بل ليست حتى بقايا طلقات نارية على يد المشتبه به الرئيسي، ولكن هناك رائحة مميزة من الكوردايت (مادة متفجرة) في الغرفة».

 وتابع كليمنتس قائلًا: «إنها خطوة على طريق احتمالية اكتشاف حياة من نوع ما في الغلاف الجوي العلوي لكوكب الزهرة. ولكن هناك الكثير والكثير من الخطوات التي يجب أن نقطعها قبل أن نتمكن من القول بأن هناك حياة على كوكب الزهرة».

Embed from Getty Images

وأشار الكاتب إلى وصف بعض الخبراء غير المشاركين في البحث للنتائج التي توصل إليها الباحثون بأنها «نتيجة مثيرة حقًا»، مشيرين إلى أن النتائج على أقل تقدير تكشف عن وجود عمليات غير عادية البتة تجري على كوكب الزهرة. فالكوكب حمضي وحار بما يكفي لإذابة الرصاص وبالتالي، لم يكن أحد الأماكن الرئيسية في النظام الشمسي التي يبحث فيها الباحثون للعثور على حياة.

ويرى لويس دارتنيل، عالم الأحياء الفلكي من جامعة وستمنستر، وهو ليس أحد المشاركين في الدراسة لصحيفة الإندبندنت، قائلًا «ستكون هذه بالتأكيد بيئة جحيمية للغاية وأنا لا أستخدم هذه العبارة باستخفاف، فالجو هناك حار جدًا وشديد الحموضة». 

وتابع لويس قائلًا: «لا أتوقع أن أي عالم بيولوجي فلكي، ولا أنا بالتأكيد، كان من الممكن أن يضع كوكب الزهرة على رأس القائمة. مشيرًا إلى مرشحين أفضل منه مثل: أوروبا، القمر الجليدي الذي يدور حول المشتري، والمريخ. «ولكنك بالتأكيد لم تكن لتذهب إلى جارنا المجاور على الجانب الآخر». 

اكتشاف عن طريق الصدفة

يذكر الكاتب أن الباحثين توصلوا إلى هذا الاكتشاف صدفة عندما تطلّعوا إلى إجراء اختبار ليروا ما إذا كان من الممكن اكتشاف غاز الفوسفين في بيئة كوكب الزهرة باعتبارها طريقة لإنشاء منطلق تقني.

وقال د. كليمنتس: «لم نكن نتوقع وجود أي شيء». لكن الملاحظات كشفت على نحو مفاجئ عن وجود كمية يمكن ملاحظتها من غاز الفوسفين في السحب فوق كوكب الزهرة. وأضاف: «لقد تحول الأمر من قولنا (هيا بنا نُجرب هذا) أو (إنها مشكلة مثيرة للاهتمام) أو (يُمكننا وضع بعض المحددات لما يتعين علينا القيام به) إلى قولنا (يا إلهي لقد وجدناها، فما معنى هذا على كوكب الأرض؟».

وأشار التقرير إلى أن العلماء أجروا مزيدًا من الأبحاث للتأكد من إمكانية رؤية غاز الفوسفين فعليًا في الغلاف الجوي لكوكب الزهرة، وذلك باستخدام تلسكوب «جيمس كليرك ماكسويل» ثم باستخدام تلسكوب «ألما» وهو الأكبر في العالم. وجدوا أن علامات نادرة يمكن رصدها في البيانات التي حصلوا عليها وتشير إلى أن ما يقرب من 20 جزءًا من المليار من السحب الموجودة على كوكب الزهرة تتكون من غاز الفوسفين. 

وفي هذا الصدد، قالت جين جريفز من جامعة كارديف، رئيسة فريق الدراسة «كانت هذه حقًّا، تجربة بدافع الفضول الخالص، من خلال الاستفادة بتقنية تليسكوب جيمس كليرك ماكسويل القوية، والتفكير في استخدام المعدات المستقبلية الطموحة. أعتقد أننا سنكون قادرين على استبعاد السيناريوهات المبالغة في التقدير، مثل افتراض أن هذه السحب مليئة بالكائنات الحية. لقد أُصبنا بالدهشة عندما حصلنا على الإشارات الأولية على وجود الفوسفين في نطاق كوكب الزهرة». 

ووصفت هيلين فريزر، باحثة علم الفلك بالجامعة المفتوحة، حالة أو شعور فريق الدراسة في اللحظة التي اكتشفوا فيها غاز الفوسفين بأنهم كانوا «متحمسين جدًا» و«متوترين جدًا أيضًا» وأوضحت هيلين قائلة «إنها علامة محتملة على وجود حياة. لكن العالِم الذي بداخلي كان حذرًا جدًا، لدرجة أنني قلت لنفسي إن ما اكتشفناه هو غاز الفوسفين فحسب، وليس علامة مباشرة وحاسمة على وجود كائنات فضائية». 

ومع ذلك، فقد لاحظت هيلين إلى أنه عند بحثك في الاحتمالات البديلة – والتي تصفها هيلين بأنها عملية طويلة تتطلب العودة إلى البحث الحالي الموجود لفهم ما إذا كان هناك أي شيء آخر يُمكن أن ينتج مثل هذه الكميات من غاز الفوسفين – يبقى لديك إدراك بأن أبسط تفسير لوجود الفوسفين، هو أن هناك شكلًا من أشكال الحياة ينتج هذا الغاز. 

غاز الفوسفين.. الدليل الأكيد على الحياة

وأبرز التقرير إلى أن هذا التطور العلمي يأتي بعدما أظهرت ورقة بحثية مهمة نُشرت العام الماضي أن تأكيد وجود غاز الفوسفين ربما يكون علامة على إمكانية وجود حياة في المكان الذي اكتُشف فيه. إذ أظهر بحث أُجري في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أنه إذا عُثر على غاز الفوسفين على كوكب صخري، فهذه تُعد علامة مؤكدة على وجود حياة لمخلوقات فضائية.

Embed from Getty Images

وذكرت كلارا سوزا سيلفا، الباحثة العلمية في قسم علوم الأرض والغلاف الجوي والكواكب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وكبيرة مؤلفي الورقة البحثية قائلة: «إن الأكسجين يُعد علامة مميزة حقيقية على وجود حياة هنا على كوكب الأرض. لكن هناك أشياء أخرى غير الحياة تُصنع الأكسجين كذلك».

وأضافت كلارا في بيان لها عند نشر الورقة البحثية قائلة: «من المهم أن نضع في الاعتبار الجزيئات الغريبة التي قد لا تنتج في الغالب، ولكن عندما تكتشفها على كوكب آخر، فهذا يعني تفسيرًا واحدًا فقط».

وأشار التقرير إلى أن العلماء يأملون الآن بإجراء مزيد من الأبحاث لاستيعاب العمليات التي تحدث على كوكب الزهرة على نحو أفضل- والوقوف على إذا ما كان هناك تفسير غير مكتشف يقول إن الفوسفين لا يعني وجود حياة لكائنات فضائية. وهذا الأمر سيتضمن مراقبة كوكب الزهرة على مدى فترات من الزمن، لمعرفة ما إذا كانت كمية الفوسفين تتغير على مدار العام أم لا. وبعد ذلك، يمكن للعلماء البحث عن اتجاهات أو تغيرات زمنية التي بدورها يمكن أن تقدم لنا مزيدًا من الأفكار عن مصدر غاز الفوسفين.

مزيد من الأبحاث المتخصصة لتفسير أفضل

لكن أهم إجراء – وفقًا للتقرير – سيكون إرسال مركبة فضائية إلى كوكب الزهرة لدراسة الغلاف الجوي مباشرة، عن طريق التحليق في السحب التي ربما تحتوي على حياة وفحص ما الذي يمكن العثور عليه هناك. تقترح إميلي درابيك موندر قائلة: «إذا أردنا التأكد من وجود الحياة في سحب كوكب الزهرة، فإن ما نحتاجه في الواقع هو إرسال مركبة فضائية لدراسة الغلاف الجوي بتفصيل أكبر».

ويرى د. كليمنتس أن الوضع «المثالي تمامًا» هو إرسال رحلة مخصصة لجلب عينة، والتي يمكن أن تجلب معها بعضًا من الغلاف الجوي لكوكب الزهرة لإجراء الأبحاث عليها مرة أخرى هنا على الأرض. وأضاف قائلًا «بافتراض وجود حياة هناك، سنعمل كل ما بوسعنا في المختبر الأرضي لنفهم بعمق ما الذي يحدث هناك». وسنفحص الكيمياء الحيوية الفعلية لمعرفة كيف يمكن أن تعمل أي حياة ممكنة بالضبط. 

شكل الحياة المتوقع على الزهرة

وبحسب التقرير، فإن العلماء يتوقعون أن تكون الحياة على كوكب الزهرة على الأرجح عبارة عن خلايا أحادية الخلية شبيهة بالبكتيريا، تعيش في القطرات السائلة التي تشكل السحب التي تحوم فوق سطح الكوكب. وتتكون هذه القطرات السائلة من 90% من حامض الكبريتيك، وهي قطرات أكثر حمضية بمليار مرة من البيئة الأكثر حمضية على كوكب الأرض، لذا فمن المحتمل أن تتميز ببعض الاختلافات الجوهرية عن أي عنصر يمكن العثور عليه على كوكبنا.

علوم

منذ 3 شهور
ما الذي سيحدث لو اختفى الهواء عن كوكب الأرض؟

لكن الباحثين سيجرون مزيدًا من الأبحاث للتوصل إلى العمليات الأساسية التي تسمح لتلك الحياة بالازدهار والتكاثر، وهو ما قد يتيح لنا الإجابة عن بعض الأسئلة الأكثر عمقًا حول الحياة نفسها. 

وأعرب البروفيسور دارتنيل قائلًا: إذا تأكدنا أن كوكب الزهرة يوجد عليه حياة بالفعل، فالأمر التالي الذي نريد التحقق منه هو هل نحن متقاربون مع الكائنات الموجودة على ظهر الكوكب؟ هل لديهم نفس الحمض النووي والبروتينات مثلنا؟ أم أنهم مختلفون تمامًا؟ وإذا كان الجواب هو الأخير، فهذا يعني أن هناك أصلًا مستقلًا للحياة لم يُنقل من الأرض إلى الزهرة. 

وأضاف دارنتيل قائلًا: في الأيام الأولى للمجموعة الشمسية، كانت الكواكب «تعطس عمليًا» على بعضها البعض بطريقة يُمكن معها أن تنقل الحياة بين العوالم المختلفة. إذا حدث الأمران كل على حدة، فقد يشير ذلك إلى أن الحياة منتشرة في جميع أنحاء الكون. 

ويخلص الكاتب إلى أنه نظرًا إلى أن الاكتشاف حدث على الكوكب المجاور لكوكب الأرض، فهذا يعني أن الأمر نفسه قد يحدث في مكان آخر ومكان أبعد. واستشهد الكاتب في ختام تقريره بما قالته إميلي موندر «إذا تكونت الحياة بشكل مستقل على كوكب الزهرة، فربما تكون الحياة هناك أكثر شيوعًا مما كنا نظن». 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد