نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تقريرًا لبورزو دراغاهي، مراسل الصحيفة للشؤون الدولية، سلَّط فيه الضوء على أول قضية من نوعها في العاصمة الروسية موسكو ترفعها ثلاث مجموعات حقوقية ضد مجموعة فاجنر الروسية، بشأن تعذيب رجل سوري وقتله.

يستهل الكاتب تقريره بسرد ما حدث مع محمد أل إسماعيل، سوري من سكان مدينة دير الزور، ينتمي إلى الطبقة العاملة، ويبلغ من العمر حوالي 33 عامًا، وكان يعمل في مجال التشييد والبناء في لبنان. وعندما عاد إسماعيل إلى سوريا في أبريل (نيسان) عام 2017، احتجزته قوات الأمن السورية على الفور، ثم جُنِّد في القوات المسلحة، والتي وزَّعته جبرًا في إحدى الوحدات بمحافظة حمص؛ حيث كان من المقرر أن ينضم إلى العمليات العسكرية التي تنفذها قوات بشار الأسد.

تعذيب وقتل

وتابع الكاتب: أخبر إسماعيل شقيقه في مكالمة هاتفية أنه يفضِّل الانشقاق عن الجيش على القتال، وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي يسمع فيها أحد صوت إسماعيل.

مواقع صديقة

منذ سنتين
«الجارديان»: هل يمكن محاكمة الأسد على جرائم القتل والتعذيب؟

ثم في 30 يونيو (حزيران) 2017، ظهر مقطع فيديو مدته دقيقتان على الإنترنت يُظهِر مجموعة من الرجال الناطقين باللغة الروسية يضربون إسماعيل، الذي كان يَتَلَوَّى ألمًا على الأرض أثناء ضربه بمطرقة ثقيلة. وفي عام 2019، ظهر مزيد من مقاطع الفيديو التي تظهر الرجال أنفسهم وهم يضربون إسماعيل ويعذبونه ويُقَّطعون أوصاله ويفصلون رأسه عن جسده قبل تعليق جثته الهامدة من ساقيه وإضرام النار فيها. وكان هؤلاء الرجال يضحكون أثناء قيامهم بكل ذلك.

قضية تاريخية

ولفت التقرير إلى أن ثلاث مجموعات حقوقية، بعد أكثر من ثلاث سنوات من وفاته، أعدَّت قضية تاريخية ضد معذبي إسماعيل المزعومين في قضية جريئة رُفِعت في موسكو ضد شبكة شبه عسكرية روسية غامضة تُدعى مجموعة «فاجنر». ويطالب المُدَّعي، شقيق إسماعيل، باتخاذ إجراءات جنائية ضد أعضاء مزعومين في فاجنر. وقالت المجموعات الثلاثة في بيان صحفي إن «هذه الدعوى هي الأولى على الإطلاق التي ترفعها عائلة ضحية سوري لمحاسبة الروس المشتبه بهم على جرائم خطيرة ارتُكِبت في سوريا».

وأضافت: «تطلب الشكوى البدء في إجراءات جنائية على أساس القتل المُرتَكب بقسوة بالغة، بهدف إثبات مسؤولية الجناة المزعومين عن هذه الجريمة وغيرها، بما في ذلك جرائم الحرب».

Embed from Getty Images

وتأتي القضية في الذكرى العاشرة للانتفاضة السورية ضد نظام الأسد. وقبل عقد من الزمان، ردَّت عناصر نظام الأسد على الاحتجاجات السلمية التي ألهمتها ثورات الربيع العربي في مصر وتونس بإطلاق نار كثيف، واعتقالات جماعية وتعذيب، الأمر الذي أدَّى إلى اندلاع تمرد مسلح أثار تدخل قوى إقليمية وعالمية في نهاية المطاف.

وكانت روسيا من بين تلك القوى التي هرعت إلى التدخل دفاعًا عن نظام الأسد في عام 2015، مع تهديد المقاتلين المتمردين باجتياح المدن الكبرى. وقِيل إن عملاء شبكة فاجنر، ومعظمهم من العسكريين الروس السابقين، خدموا بوصفهم قوات ظِل تابعة للكرملين، سعيًا إلى تحقيق أهداف جيوسياسية روسية مع توفير قدر من الإنكار المقبول.

خطوة جريئة

ويرى الكاتب أن رَفْع قضية ضد شبكة فاجنر، مع محققين روس خطوةٌ جريئة. ويُصر الكرملين على أنه لا وجود لمجموعة فاجنر، حتى مع ظهور القوات العسكرية الروسية السابقة مرارًا في صراعات في سوريا وليبيا وأوكرانيا وأفريقيا جنوب الصحراء. ويُعتقد أن فاجنر، وهي على الأرجح مجموعة من المتعاقدين العسكريين الخاصين مع شركات ذات تسجيلات مبهمة، وسلاسل قيادة غامضة، تخضع لسلطة يفغيني بريجوزين، الحليف الوثيق والمقرب من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين.

ولفت الكاتب إلى أن تسليم ملف الدعوى كان لا بد من تصميمه بعناية؛ خشية أن تُلقي السلطات الروسية القبض على مُقدِّم الطلب؛ فقد سُلمت الأوراق يوم الخميس، في حين أُعلِن عن القضية يوم الاثنين في محاولة محتملة لحماية المتقاضين. وليس هناك ما يشير إلى أن القضاء الروسي سيتصرف حيال تلك الدعوى، ذلك أن المحاكم الروسية تحولت إلى أداة فظة يستخدمها بوتين، ضد خصومه وأعدائه.

لقد حُجب اسم شقيق إسماعيل، صاحب الشكوى، ومكانه خوفًا من أن يستهدفه الكرملين، الذي يبدو أنه مصمم على إثبات أن يده الأمنية طولى، ويمكن أن تضرب في أي مكان حول العالم. لكن القضية حظيت بالفعل باهتمام وكالات الأنباء الروسية المستقلة. وبموجب القانون الروسي، يمكن محاكمة المواطنين الذين يعيشون على أرض الوطن على الجرائم المرتكبة خارجه.

وقال المحامي الروسي لحقوق الإنسان، إيليا نوفيكوف، لصحيفة «نوفايا جازيتا»: «لم تبدأ لجنة التحقيق الحكومية التحقيق بعد في ملابسات جريمة القتل على الرغم من تسليم جميع المعلومات اللازمة للسلطات منذ أكثر من عام».

مشاهد مروِّعة

ينقل الكاتب عن الحقوقيين الذين رفعوا الدعوى قولهم إن الطبيعة المروِّعة لعملية القتل جعلت متابعة القضية أمرًا ضروريًّا. وفي بعض مقاطع الفيديو، يتضح أن إسماعيل قد مات بالفعل، لكن عناصر فاجنر المزعومين، كانوا يعبثون بجثته. وفي إحدى المقاطع، فَصَل أعضاء فاجنر رأس إسماعيل عن جسده مستخدمين سكينًا. وفي حالة أخرى، يضرب أحد العملاء ذراعيه بمجرفة فيما يبدو أنها محاولة لفصلهما عن جسده. ويعلقون الجسد من ساقيه على شجرة، ثم يضرمون النار فيه.

Embed from Getty Images

وقد وصف المحامي، إيليا نوزوف، من «الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان»، اللقطات التي نُشرت على الإنترنت بـ«الأمر المروِّع». وأضاف: «يبدو أن أحد المشاركين كان يصور الفيديو، وهو يعلق على ما يحدث. كان يغمرهم الشعور بالبهجة، مع صيحات صاخبة على أنغام أغنية (هذا ما أتحدث عنه!) (This is what I’m talking about!)، والتي تعبِّر عن الحماسة أثناء أداء عمل ما، وهم يلوحون بإشارات تستخدمها المجموعات الروسية شبه العسكرية. وكان هناك ضحك ومزاح وتعليق حول ما يجب فعله بعد ذلك. ومن الواضح أنهم كانوا يستمتعون بالمشهد».

ونوَّه الكاتب إلى أن المدافعين عن نظام الأسد كانوا يبررون في الماضي هذه الجرائم بأنها تجاوزات ارتكبت في الحرب ضد تهديد إرهابي مسلح، مشيرين إلى وجود جماعات مرتبطة بداعش، والقاعدة بين المقاتلين المتمردين. ولكن نوزوف، قال إنه لا يوجد دليل على أن إسماعيل كان على صلة بأي جماعة متمردة مسلحة، ناهيك عن منظمة إرهابية محددة.

فرصة للمحاسبة

وأوضح الكاتب أن «الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان» ومقرها العاصمة الفرنسية باريس، إلى جانب «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» و«المركز التذكاري لحقوق الإنسان» ومقره موسكو يدعمون القضية. وقد تجاهلت السلطات الروسية طلبًا بإجراء تحقيق في جريمة القتل قدمته صحيفة روسية في عام 2020. وأمام المحققين الروس الآن ما يصل إلى 30 يومًا للرد على الشكوى.

الربيع العربي

منذ شهر
«هآرتس»: كيف خسر الأسد الاقتصاد السوري لصالح روسيا وتركيا والمعارضة المسلحة؟

وتُعد القضية المرفوعة في موسكو واحدة من عدة قضايا رُفِعت أمام محاكم في جميع أنحاء أوروبا تتعلق بجرائم ارْتُكبت في سوريا. وكل هذه القضايا تستخدم مبدأ الولاية القضائية العالمية، وهو مفهوم قانوني يمكن فيه محاكمة أسوأ الجرائم ضد الإنسانية خارج الأراضي التي ارتكبت فيها، وقد أدانت محكمة في ألمانيا الشهر الماضي ضابطًا في المخابرات السورية بتهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بسبب دوره في احتجاز المعارضين وتعذيبهم في احتجاج عام 2011 في دمشق.

ويدرك أولئك الذين يتعاملون مع القضية أن فرص نجاحها ضعيفة وأن المحكمة قد تقرر عدم الرد أبدًا، لكنهم يُصرون على أن رفع القضية أكثر من مجرد خطوة رمزية.

واختتم الكاتب تقريره بما قاله نوزوف: «يجب ألا ننسى الضحايا أبدًا. ولا تزال ضحية هذه الجريمة وغيرها من الجرائم البشعة العديدة التي وقعت في سوريا بلا عدالة. ويمثل هذا الإجراء خطوة ملموسة لتحقيق العدالة لأسرة الضحية»، مشددًا على «ضرورة المحاولة إذا كانت هناك فرصة سانحة لمحاسبة شخص ما وتقديمه للعدالة، فلماذا لا نحاول؟».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد