نقل موقع «كوارتز» شهادات محتجين من مختلف بلدان العالم عن الأجواء التي عايشوها خلال الاحتجاجات. وأوضح الموقع في تقريره أن عام 2019 هو عام الاحتجاجات بامتياز.

ففي السودان اندلعت الاحتجاجات بسبب ارتفاع أسعار الخبز، ثم انتشرت في شتى أرجاء البلاد، وتوجت بإسقاط البشير الذي حكم ثلاثة عقود. وفي هونج كونج بدأت الاحتجاجات بسبب قلق المدينة الصاخبة من قمع الحريات وفقدان الإطار الذي يجعلها متميزة عن بقية الصين – وما تزال متواصلة بعد ستة أشهر.

أما في لبنان – يشير التقرير – فقد تسببت ضريبة مقترحة على مكالمات تطبيق «واتس آب (WhatsApp)» في تفجير الاحتجاجات، سرعان ما تحولت إلى تنديد بسوء إدارة الاقتصاد؛ مما أدى إلى استقالة رئيس الوزراء الحريري. وفي كاتالونيا اندلعت الاحتجاجات ردًا على أحكام السجن الصادرة بحق الزعماء الانفصاليين الذين أيدوا استفتاء الاستقلال. وفي الهند تسبب قانون المواطنة الجديد الذي يضطهد المسلمين إلى احتجاج مئات الآلاف عبر البلاد. وأخيرًا في تشيلي تحولت حملة دشنها الطلاب للمطالبة بزيادة الأجرة إلى احتجاج أوسع ضد هيكل اقتصادي وضعه الحكم العسكري النيوليبرالي.

وفي العديد من مدن العالم، كانت الكارثة المناخية الوشيكة هي التي دفعت الناس إلى الشوارع.

ووقعت الاحتجاجات في عدد من البلدان الأخرى، الأمر الذي يعكس لحظة كان فيها من السهل استدعاء الناس إلى الشوارع. تواصل معدو التقرير مع بعض ممن شاركوا في احتجاجات 2019 لاسكتشاف ما كان عليه الحال هناك.

السودان: «حرية.. سلام.. عدالة»

انضمت سماح جاموس، 29 سنة طبيبة أسنان من أم درمان، إلى الاحتجاجات في وسط الخرطوم. كانت المظاهرة محدودة. سرعان ما وصل ضباط الأمن خلال خمس دقائق، وحاصروهم، وبدأوا في اعتقالهم. ركضت مع آخرين إلى عيادة قريبة، ورأت عائلة في غرفة الانتظار. أخبرتهم أنها طبيبة تزور العيادة وفوجئت بالاحتجاج، لكن ضباط الأمن كانوا يحاولون إلقاء القبض عليها.

ساعدها الحاضرون، وقدموا لها الأوراق الخاصة بالأم. عندما دخل الضباط ورأوها، أخبرتهم العائلة أنها ابنتهم. حاول أحد الضباط الإمساك بها، لكن الأم صاحت «ماذا تفعل؟ هذه ابنتي!».

كان من الواضح أنها لا تشبههم. فهم من حلفا الجديدة في شرق السودان، وهي من دارفور في غرب السودان. بدأوا في استجواب كل شخص على حدة. عند نقطة ما، وضعت الأم بطانية على الأرض، واستلقت وطلبت منها الانضمام إليها. تعانقا وبدآ الدردشة. كان اسمها سلامة.

بعد ثلاث ساعات، عندما غادر ضباط الأمن، ابتسمت قائلة: «لقد رأيناكم من أعلى، أتيتِ مع الاحتجاج». أدركت سماح حينها أنهم ليسوا وحدهم. ومع أنهم لا يعرفونها فقد خاطروا من أجلها. لم يكن الجميع في الشوارع، لكن قلوبهم كانت مع المحتجين.

هونج كونج: «خمسة مطالب لا تنازل عنها»

يقول أدريان، في العشرينات من العمر، ويعمل في صناعة المال: كان صباح يوم 18 نوفمبر (تشرين الأول) يمثل لحظة فارقة، بعد ساعات من حصار الشرطة لجامعة «البوليتكنيك». حوصر أكثر من ألف مدني في الجامعة، حيث سيتم القبض عليهم فور مغادرتهم للحرم الجامعي.

في الليلة السابقة كان هناك خوف من نفاد الموارد داخل الحرم الجامعي، وتمكّن الشرطة من شن حملة عنيفة والقبض على المتظاهرين المسلحين، الذين كانوا القوة الرئيسة التي حافظت على زخم المتظاهرين من الانخفاض.

انحرفت قنبلة غاز مسيل للدموع عن مظلة أدريان. فاختبأ خلف عربة القمامة. لم يكن بحوزة المحتجين سوى الطوب فقط، وعدد قليل من القنابل النارية، سيكون من المستحيل التقدم عبر شرطة مكافحة الشغب، ناهيك عن الوصول إلى جامعة «البولي تكنيك». «أنقذوا بولي! صاح أحدهم. قد يكون الوصول إلى الجامعة مخاطرة كبرى، إلا أن الروح المعنوية لدى الشباب لامست عنان السماء.

في صباح اليوم التالي حمل أدريان عدة التظاهر، النظارة وأقنعة الغاز، وحاول الاقتراب من الحرم الجامعي. كانت شرطة مكافحة تسد الطريق. وكان من المستحيل تقريبًا الدخول. فجأة خرج حشد من المتظاهرين، فركضوا باتجاه نفق عبور الميناء.

«تعال إلى هنا! هتف حشد من وراء الأسلاك الشائكة. يبدو أنهم رأوا البقية. استدار بعضهم وبدأوا يركضون. ثم بدأت الشرطة في إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع مرة أخرى، في محاولة لصد المتظاهرين الفارين. وكادت تصيبه قنبلة غاز أخرى.

صعد متظاهر وعبر السلك الشائك. كان بالكاد يستطيع المشي. كان أدريان عاجزًا عن التفكير. وضع ذراعه على كتفه وتوقفا بعيدًا عن الشرطة، حيث سقط على الفور. خلع قناع الغاز، فبدا طفلًا.

وضع رأسه على فخذ أدريان وبدأ ينتحب، فقال له الأخير: «لا بأس، أنت حر».

لبنان: «كلن يعني كلن»

استجابةً لدعوة إغلاق جسر «الرينج» لأول مرة وصلت ساندرا جيشان،  28 سنة محامية متدربة، إلى هناك صباح يوم السبت في أواخر أكتوبر. عندما وقفت على جانب الطريق السريع الفاصل بين شرق وغرب بيروت فكرت في رمزية ما كانوا على وشك القيام به.

كان الجسر ساحة قتال طاحن خلال الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990، إذ كان يفصل بين الجانبين المتحاربين في المدينة. بالنسبة للجيل السابق، فإن ذكريات دمار الجسر صادمة ومؤلمة ورهيبة.

حذرهم رجل في منتصف العمر من الذهاب بسبب اقتراب قوات الأمن.

كادت تقع على الإسفلت الحار، لكن امرأة ساعدتها، ثم واصلت الهتاف. حاصرهم الضباط. ورمى شخص الورود. فالتقطت واحدة، ووُزعت زجاجات المياه. يبدو أنهم باقون لبعض الوقت.

وقفت امرأة أخرى في الوسط وهي تلوح بعلم لبناني عملاق، لتثير حماس المحتجين المتزايدين. إنها واحدة من العديد من النساء اللائي تصدين لقوات الأمن منذ بدء الاضطرابات. علا صوت الهتافات، مع تفجر غضب مكتوم منذ سنوات. فصرخوا كما لم يفعلوا من قبل.

فجأة أصبح الجسر وجهة المتظاهرين من الأحياء المتنوعة التي تتصل به. في موقع تقاتل فيه أسلافهم، اجتمع هذا الجيل الجديد من اللبنانيين للمطالبة بمستقبل أفضل، ووضع حد للفساد، ولتحدي نظام يزدهر على الانقسام. في لحظة فاصلة، أصبحت الذاكرة قوة واستعاد اللبنانيون معلمًا آخر من تاريخهم.

لندن: «ترك الحال على ما هو عليه يعني الفناء»

في 16 أبريل (نيسان) حاولت فرحانة يامين، 54 سنة مدافعة عن البيئة، أن تلصق نفسها بالغراء على مدخل مقر شركة «شل» الهولندية العملاقة للنفط في لندن. كان رجال الشرطة منشغلين بمن جرى اعتقالهم أمام الشركة بسبب مظاهرة «أوقفوا الإبادة الجماعية». أرادت يامين مواصلة عملها، لذلك ركضت وصرخت «أنا ملتصقة بالأرض!».

وقف زوجها وابنها يراقبانها. سوف يجري إلقاء القبض عليها قريبًا، بالإضافة إلى أكثر من ألف محتج حول لندن. قال الزوج للصحافيين: «إنها محامية وتؤمن بسيادة القانون، لكن العصيان المدني في مرحلة ما يصبح ضروريًا».

أمضت يامين 25 عامًا في المساعدة في صياغة القوانين البيئية الدولية، مثل بروتوكول «كيوتو»، الذي أنشأ أول سوق عالمي للكربون، ونظام الاتحاد الأوروبي لتبادل الانبعاثات، أحد أكثر تشريعات المناخ تقدمًا في العالم. وكانت مؤلفة رئيسة لثلاثة تقارير من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وهي أعلى هيئة عالمية في هذا الموضوع. إنها فخورة حقًا بتحقيق هدف خفض انبعاثات الغازات بحلول عام 2050 الذي نصت عليه اتفاقية باريس لعام 2015، والتي جرى توقيعها من قبل كل دولة في العالم.

لكنها سئمت صعوبة تغيير النظام والعمل بسرعة على معالجة تغير المناخ. تجسد يامن الإحباط الذي يشعر به مئات الآلاف من الأشخاص الذين يحتجون بسبب التغيرات المناخية في جميع أنحاء العالم.

تشيلي: «الأمر لا يتعلق بـ30 بيزو.. بل بـ30 عامًا من الفساد»

في 25 أكتوبر (تشرين الأول) بينما كانت أنتونيلا أوبرتي، 23 سنة طالبة قانون، تحاول بلوغ ميدان في وسط مدينة سانتياجو لمقابلة إخوتها، صُدمت من احتشاد مئات الآلاف من الناس حاملين الأعلام واللافتات. كان هناك الكثير من اللافتات التي تقول: «لقد أخذوا منا الكثير، بما في ذلك الخوف». ولافتة أخرى كُتب عليها «لأمي، التي توفيت في انتظار علاج السرطان».

ساد شعور بأن هذا سيكون احتجاجًا لم يسبق له مثيل – وفي النهاية، تجمع أكثر من 1.2 مليون شخص.

لم تكن تعرف أحدًا هناك، لكنهم طافوا وسط المدينة، وهم يتناقلون أخبار تمدد الاحتجاجات إلى جميع أنحاء البلاد، واشتعال الحرائق في محطات المترو، ويفكرون في أفضل الحلول لهذا البلد. على الرغم من وجود بعض الاختلافات، اتفقوا جميعًا على شيء واحد: إنهم يتحركون نحو مستقبل أفضل، نحو بلد حر، ولكن عادل.

عندما اقتربوا من الميدان من أحد المباني، كان هناك رجل يعزف على الطبول من شرفته. تجمعت مجموعة كبيرة من الأشخاص أسفل البناية مباشرة، وراحت تشدو بأغانٍ مختلفة، بما في ذلك «El Baile de Los Que Que Sobran» (رقصة ما تبقى من الشعب) من تأليف Los Prisioneros، التي أصبحت بمنزلة النشيد الوطني للحركة. كانت لحظة مشهودة: غرباء يجتمعون في مكان واحد. كانت هناك لافتة تتدلى من شرفة الرجل تقول: «حتى تصبح الكرامة عادة».

الهند: «لا لقانون المواطنة الجديد»

شهدت أمل فاطمة، 21 سنة طالبة في علم النفس، لحظات مرعبة عندما دخلت شرطة دلهي حرم الجامعة الملية الإسلامية.

كان الطلاب يحتجون على قانون تعديل المواطنة «CAA»، ولكنهما لم تعتزم الانضمام إليهم في تلك المرحلة. في 15 ديسمبر (كانون الأول)، ذهبت إلى قاعات الدراسة ظنًا منها أن الحرم الجامعي هو المكان الأكثر أمانًا، لكنها كانت مخطئة.

اقتحمت الشرطة المبنى وأطلقت الغاز المسيل للدموع. لذا هرعت هي وأصدقاؤها إلى المكتبة. فجأة تصاعد الغاز من إحدى النوافذ بسبب قذائف الغاز المسيل للدموع التي استخدمتها الشرطة. فأغلقوا جميع الأبواب بسرعة، لكن حفنة من رجال الشرطة كانت قد دخلت بالفعل.

بدأوا بضرب الطلاب بكل وحشية. حاولت الفتيات إنقاذ الطلاب الذكور بإخفائهم، لكن رجال الشرطة كانوا متهورين مع الشباب. قام أحد رجال الشرطة بضرب صديقي بكرسي على رأسه. ثم حاول الطلاب في يأس تفادي الشرطة بطريقة أو بأخرى. وقد أغمي على أحدهم بعد الضرب المستمر، لكن رجال الشرطة لم يتوقفوا. لقد تصرفوا كإرهابيين.

حتى عندما واجهت فاطمة جنون اللحظة، شعرت أنها لن تتمكن من مسامحة الشرطة على ذلك. وتؤكد أنهم سيواصلون الاحتجاج على القانون حتى يسقط، ولن تخيفهم هجمات الشرطة.

كتالونيا: «حق تقرير المصير ليس جريمة»

باو مير، 22 عامًا طالب من برشلونة

كان باو يشارك في قطع أكبر طريق سريع في البلاد، والذي يتصل بفرنسا، بهدف عرقلة النقل بين إسبانيا وبقية أوروبا. توقف الطريق لأكثر من 48 ساعة في نقطتين مختلفتين. ارتجل الناس العروض الموسيقية في منتصف الطريق، بينما بنى آخرون المتاريس على الحواف. جرى توزيع الطعام والماء على السائقين الذين توقفوا، وأشعلت النيران للتدفئة، وتبادلوا الحديث عن أحداث الأيام السابقة في المطار، أو في المسيرات إلى برشلونة، أو في العديد من الاحتجاجات الأخيرة الأخرى من أجل الحرية وتقرير المصير.

Embed from Getty Images

تباينت وجهات النظر بين المتظاهرين. فهناك الكثير من المفاهيم المختلفة حول ما يعنيه العصيان المدني. ومع أنهم متفقون حول الأهداف، تباينت آراؤهم عن الإستراتيجية العامة المراد متابعتها. لكن منذ شهر أكتوبر اتخذت الاحتجاجات منحى التوافق. يمكن للجميع اختيار نمط الإجراءات التي يشعرون براحة أكبر بها والتمسك بها، مع احترام الأنواع الأخرى من التكتيكات.

قبل عام مضى وقع شجار الشارع بين أشخاص يستخدمون المتاريس المحترقة للدفاع عن أنفسهم وآخرين لا يرغبون في بدء أي حريق للحفاظ على الطابع السلمي. الآن، لا توجد أي اشتباكات من هذا النوع تقريبًا، وبدأ الناس في الاعتقاد بأن التنوع جيد، بل حتى ضروري تمامًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد