يتعهد البنتاجون بالحفاظ على «بصمة عسكرية خفيفة» في أفريقيا، بينما تكشف الوثائق الرسمية والخرائط المصاحبة أن القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» تخطط للتوسع العسكري في القارة.

وعلى الرغم من وجود 76 قاعدة في أمريكا اللاتينية، يبدو أن شهية البنتاجون مفتوحة لامتلاك قاعدة أخرى في الإكوادور، وحتى لو أكدت الحكومة هناك أنها ليست قاعدة دائمة، فإن المعارضة تتمسك بالدستور الذي يمنع «إنشاء قواعد عسكرية أجنبية أو منشآت أجنبية لأغراض عسكرية».

أما القاعدتان العسكريتان اللتان استثمر الجيش الأمريكي في عام 2019 حوالي 27 مليون دولار لتحديثهما في رومانيا وبلغاريا، فليسا سوى جزء من خطة أوسع لتوسيع نطاق الدعم والتعاون الأمني، ليس فقط مع البلدين، بل أيضًا مع إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، وبولندا، وأوكرانيا، ومولدوفا، وجورجيا.

وبالرغم من الولادة المتعثرة لـ«حصن ترامب»، لم يزل حلم تدشين قاعدة عسكرية أمريكية «دائمة» يداعب خيال بولندا، الحريصة على تعزيز دورها أكثر في إستراتيجية الردع الأمريكية في أوروبا الشرقية.

وبعدما أغلق البنتاجون قاعدته العسكرية على جزيرة أداك في ألاسكا منذ التسعينات، تنظر البحرية الأمريكية في احتمالية تدشين قاعدة عسكرية أمريكية جديدة هناك، في ظل ترحيب من الشركات المحلية، لأسباب اقتصادية.

وبعيدًا عن التصريحات الرسمية، يبقى الشيء الوحيد المؤكد هو أن الجيش الأمريكي المتوثّب لا يسمح بـ«قصقصة ريشه»، سواء كان الرئيس أسود واسمه أوباما، أو برتقاليًا واسمه ترامب، لكن الكفة ترجح في النهاية لصالح من يتقن فن الغزل أكثر، كما ستوضح السطور التالية.

دولي

منذ شهرين
هل ما زالت أمريكا بحاجة إلى القواعد العسكرية في الخارج؟

«بصمة خفيفة» للبنتاجون.. «أفريكوم» تخطط للتوسع العسكري في أفريقيا

قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال ستيفن تاونسند، كرَّر خلال شهادته أمام مجلس الشيوخ في يناير (كانون الثاني) الماضي ما ردده سلفه حول الاحتفاظ بـ«بصمة خفيفة ومنخفضة التكلفة نسبيًا» في القارة – على النقيض من ذلك – تُظهِر الخرائط وجود أكثر من 29 قاعدة في 15 دولة ومنطقة مختلفة، مع أعلى تركيز في دول الساحل غربي القارة والقرن الأفريقي في الشرق.

لا يكتفي البنتاجون بالشبكة الواسعة من المواقع العسكرية التي دشنها في ربوع أفريقيا، منذ 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بل تكشف الوثائق العسكرية الأمريكية ومجموعة الخرائط المصاحبة التي حصل عليها موقع «ذي إنترسبت» في عام 2019 إلى أن «أفريكوم» تسعى بنشاط للتوسع في القارة وفق رؤية إستراتيجية تهدف إلى تعزيز وجودها العسكري في المناطق الساخنة.

وإذا كان البنتاجون يخفي بعض قواعده القائمة، فلا عجب أن يحيط هذه الخطط المستقبلية بستارٍ من السرية.

76 قاعدة في أمريكا اللاتينية لا تكفي.. البنتاجون يريد قاعدة أخرى في الإكوادور

»هل تعلم أن الولايات المتحدة لديها حوالي 76 قاعدة عسكرية في أمريكا اللاتينية؟ حسنًا، إنهم يريدون واحدة أخرى الآن»؛ بهذه اللهجة الاستهجانية علَّقت الصحافية ياميلي حبيب على الإذن الذي منحته الإكوادور في يونيو (حزيران) 2019 للجيش الأمريكي باستخدام مطار جزيرة سانت كريستوبال، إحدى أكبر وأقدم الجزر الواقعة شرق أرخبيل جالاباجوس، في مهام «مكافحة تهريب المخدرات».

وأفادت شبكة تليفزيون «تيليسور» بأن طائرة من طراز «بوينج 707» تابعة لسلاح الجو الأمريكي مزودة بمراقبة رادارية، وطائرة «لوكهيد بي-3 أوريون»، ستقومان بدوريات في المحيط الهادي، انطلاقًا من جالاباجوس، للبحث عن السفن التي قد تستخدم في تهريب المخدرات والتجارة غير المشروعة.

أوضحت الحكومة أن هذا الإذن لا يعني إقامة «قائمة دائمة»، ولكنه مجرد تصريح باستخدام الطائرات الأمريكية للمطار على فترات، لكن لم يقتنع النقاد الذين رأوا القرار مخالفًا للمادة الخامسة من الدستور الإكوادوري لعام 2008، الذي يمنع «إنشاء قواعد عسكرية أجنبية أو منشآت أجنبية لأغراض عسكرية»، حسبما نقل موقع «AL DÍA» المختص بمتابعة شؤون الأمريكيين من أصل لاتيني.

«تهديد لأمن روسيا القوميّ».. تحديث قاعدتين عسكريتين في رومانيا وبلغاريا

وفي رومانيا وبلغاريا، نجد أن الجيش الأمريكي استثمر في عام 2019 حوالي 27 مليون دولار لتحديث قاعدتين عسكريتين، مع خطط لزيادة «الدعم والتعاون الأمني» ليس فقط مع البلدين ولكن أيضًا مع إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، وبولندا، وأوكرانيا، ومولدوفا، وجورجيا.

وحصل البنتاجون في ذلك العام على 6.5 مليار دولار لمبادرة الردع الأوروبية، وهو برنامج بدأ في عام 2016، يهدف إلى طمأنة حلفاء أوروبا الشرقية وردع روسيا عن المزيد من التوغل في أوروبا بعد ضمها شبه جزيرة القرم، بحسب موقع بلقان إنسايت.

كما وفرت ميزانية الدفاع الأمريكية للعام الماضي 12.9 مليون دولار لأنظمة الدرع المضادة للصواريخ، بما في ذلك المنظومة الموجودة في ديفيسيلو جنوب رومانيا، والتي يصفها الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «تعزيزًا مهمًا لقدرة الدفاع عن الحلفاء الأوروبيين ضد انتشار صواريخ باليستية تنطلق من خارج المنطقة الأوروبية الأطلسية»، لكن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف يعتبرها «تهديدًا لأمن روسيا القومي».

«حصن ترامب».. ولادة متعثرة لقاعدة عسكرية أمريكية «دائمة» في بولندا

الرئيس البولندي المحافظ أندريه دودا، الذي فاز منتصف الشهر الماضي بولاية ثانية إثر فوزه بفارق ضئيل على الليبرالي رافال تراسكوفسكي، يبدو أنه يدرك جيدًا أبرز السمات الشخصية لنظيره الأمريكي دونالد ترامب؛ فحين التقى به أواخر عام 2018 غازله باقتراح يداعب غروره ويقضي بإطلاق اسمه على قاعدة عسكرية أمريكية جديدة في بولندا «مقابل تواجد عسكري أمريكي دائم هناك، لمواجهة سلوك روسيا العدواني».

«حصن ترامب» اسمٌ لفت انتباه الرئيس الأمريكي وأثار شهيته قطعًا، لكن الفكرة ذاتها لم تكن مفاجأة لخبراء الأمن، الذين راقبوا الحكومة البولندية وهي تسعى بنشاط لأشهر للضغط من أجل إقناع واشنطن بالمشروع. وربما لن ييأس الرئيس دودا، حتى ولو انهار المشروع وسط خلافات حول مصادر التمويل وأماكن الانتشار، بحسب وكالة «رويترز».

صحيح أن عامين مرّا دون أن يُحرز المقترح تقدمًا يُذكر، ولم يزل المسؤولون الحكوميون في واشنطن ووارسو يتناقشون حول المكان الذي ستتمركز فيه القوات، والمبلغ الذي ستسهم به وارسو في تمويل المشروع، لكن الفكرة التي يطمح ترامب أن تكون «من الطراز العالمي»، لم توارِ الثرى بعد، خاصة بالنظر إلى الدور المتزايد الذي لعبته بلاده في إستراتيجية الردع الأمريكية في أوروبا الشرقية منذ ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، والتوغل في منطقة دونباس شرقي أوكرانيا.

وفي التفاصيل، أن بولندا تريد وضع القوات الأمريكية بالقرب من حدودها الشرقية مع روسيا البيضاء، لكن واشنطن تخشى أن يغضب الكرملين، ولذلك تفضل نشر قواتها إلى الغرب، وتريد كذلك أن تدفع بولندا أكثر من الملياري دولار التي عرضت المساهمة بهما في البداية، ناهيك عن اللغط الدائر حول الحصانة القانونية التي تحرص أمريكا على منحها لقواتها حال اتهامهم بارتكاب جرائم على الأراضي البولندية.

وحتى لو لم يستمر ترامب في البيت الأبيض، فأمام الرئيس البولندي أندريه دودا فترة رئاسة كاملة ليمد حبال الود مع الساكن الجديد في البيت الأبيض.

هل تستضيف جزر ألوتيان النائية في ألاسكا قاعدة عسكرية أمريكية جديدة؟

مع ذوبان الجليد، وزيادة حركة الشحن، وتغيير أولويات الدفاع، أجرت قوات البحرية ومشاة البحرية تدريبات عسكرية واسعة النطاق العام الماضي، لأول مرة منذ 30 عامًا.

وعلى وقع المناورات البحرية، أثير نقاش حول ما إذا كان الجيش الأمريكي سيعيد بناء قواعد دائمة في منطقة بحر بيرنج في ألاسكا، بعد مرور أكثر من عقدين منذ أن أغلق البنتاجون قاعدة كبيرة في الجزيرة كانت تضم 6 آلاف فرد وأسرهم.

أحد أكبر الداعمين لهذه الفكرة هي شركة «أليوط» المحلية التي تمتلك الكثير من أراضي جزيرة أداك في ألاسكا، وتتطلع إلى أن يعيد الجيش الأمريكي تأسيس وجوده العسكري الدائم في الجزيرة، وربما تحويلها إلى مركز للشحن في المنطقة خلال العقود القادمة.

Embed from Getty Images

وما يجعل جزيرة أداك مختلفة عن بقية مجتمعات ألاسكا الأخرى التي تسعى لجذب الأصول العسكرية وما يصاحبها من الدولار الفيدرالي، هو أن كل مبنى تقريبًا في الجزيرة كان ينتمي إلى وزارة الدفاع الأمريكية قبل سنوات.

كانت الجزيرة نقطة انطلاق للحملة العسكرية الأمريكية على الجزر الأليوطية، كما احتفظت البحرية الأمريكية بقاعدة مضادة للغواصات في الجزيرة خلال الحرب الباردة، إلى جانب آلاف من الأفراد الذين كانوا يعيشون في منازل سابقة التجهيز وثكنات كانت يومًا كخلية النحل.

لكن الحكومة الفيدرالية أغلقت قاعدتها على جزيرة أداك في التسعينيات، واتفقت مع شركة «أليوط» على شراء معظم الأراضي والمرافق التابعة للجيش (الجزء الجنوبي من الجزيرة الذي هو محمية وطنية للحياة البرية)، ولا تمانع الشركة الآن من عودة الجيش الأمريكي طالما سيجلب معه الدولارات وينعش اقتصاد المنطقة.

لكن هذه ليست مجرد طموحات شركة خاصة، مدفوعة بأغراض تجارية بحتة، وإنما هي أيضًا فكرة لا تستبعدها البحرية الأمريكية بل تنظر إليها بعين الاعتبار، كما يؤكد المتحدث باسم الأسطول الثالث، الملازم روشيل ريجر، وإن كان الوقت ما يزال مبكرًا للحديث عن التفاصيل في هذه المرحلة.

دولي

منذ شهرين
87 قاعدة في ألمانيا فقط.. 10 دول تضم أكبر عدد من القواعد العسكرية الأمريكية

من أوباما إلى ترامب.. الجيش الأمريكي المتوثّب لا يسمح بـ«قصقصة ريشه»

هذه الخطط التي ذكرها التقرير ليست سوى غيض من فيض طموحات البنتاجون لغزو العالم بمزيد من القواعد العسكرية، مع تركيزٍ خاص على المناطق الأكثر سخونة، على اختلاف الدول المضيفة والخصوم المستهدفين.

وبينما يحاول بعض نواب الكونجرس حمل البنتاجون على إغلاق قواعده في الخارج، من الواضح أن المؤسسة العسكرية ذات الطموح المتوثب لا ترضى بقصقصة ريشها مهما كانت المبررات؛ ولنضرب على ذلك مثلا بآخر رئيسين حكما الولايات المتحدة.

حاول أوباما تقليص حجم القوات المسلحة، وتغيير مفاهيم القوة العسكرية التقليدية التي تعتمد على الانتشار كثيف العدد، وإصلاح السياسات الاجتماعية التي تحظر انضمام أبناء الأقليات إلى صفوف الخدمة العسكرية، ولذلك انقسمت الآراء حوله ليس فقط على الساحة السياسية، بل أيضًا داخل أذرع القوات المسلحة، كما أظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة «ميليتاري تايمز» ومعهد المحاربين القدامى وعائلات العسكريين ما بين 16 إلى 21 ديسمبر (كانون الأول) 2016، قبيل خروج أوباما من البيت الأبيض مع انتهاء فترة رئاسته الثانية في 20 يناير 2017.

حتى ترامب الذي لم يزل يحظى بشعبية أكبر من سلفه في أوساط المجتمع العسكري، مقارنة بمستوى تأييده المتدني في الشارع الأمريكي، يُظهر استطلاع أجرته صحيفة «ميليتاري تايمز» في أواخر عام 2019، أن 58% ممن شملهم الاستطلاع يرفضون قراره بسحب القوات الأمريكية من شمال سوريا في مواجهة التقدم العسكري التركي، إلى جانب استياء متزايد داخل أذرع القوات المسلحة بسبب سوء معالجته للعديد من القضايا العسكرية.

وعلى الرغم من الاختلافات الكثيرة بين أوباما وترامب، إلا أن تجربتهما مع الجيش تؤكد أن أي رئيس يحاول قصقصة القوات المسلحة الأمريكية تنخفض شعبيته داخل أذرع القوات المسلحة.

المصادر

تحميل المزيد