السياسة الأمريكيّة تتأرجح بين قوتين حاكمتين، قوة تريد للولايات المتحدة أن تكون إمبراطوريةً تحكم العالم، جنودها موزعة في كل مكان؛ وقوة تريد الانكفاء داخل حدود الولايات المتحدة، وأن تكون دولة مهتمةً بشأنها دون أن تمارس دور الأستاذية على كل دول العالم. خليطٌ من الاثنين هو ما شكل الولايات المتحدة عبر العقود المتعاقبة. أما المختلف الذي نلمحه في سياستها بأمريكا اللاتينية؛ فهو الانتقال من اللعب في الخفاء وبهدوء لتشكيل النظام العالمي وفق ما يناسب أهواء الإدارة الأمريكية، إلى التدخل المباشر دون الالتزام بأعراف السياسة الأمريكية، ولا بالاتفاقيات الدولية المُنظمّة لعلاقات الدول بعضها ببعص.

هذا النهج يتجلى في أمريكا اللاتينية، التي تعدها الولايات المتحدة حديقتها الخلفية. فحينًا حاولت الحفاظ على نفوذها بالدبلوماسية، وحينًا آخر تثار الشكوك حول يدٍ خفية للولايات المتحدة في انقلابات عسكرية، وأحداث عنف تفتك بالجيران الضعفاء.

تجربة تشيلي.. كيف تُسقط جنرالًا مجنونًا جاء على ظهر دبابة؟

الولايات المتحدة تتعامل مع دول أمريكا اللاتينية بوصفها نبعًا لا ينضب للمواد الخام، وسوقًا لا يشبع لتصريف سلعها. وحاولت طوال عقود أن تبقى هى الوحيدة التي تحتكر ذلك السوق. ورأت فيه أنّه أأمن مكان لها بعيدًا عن التنافس الأوروبي على أفريقيا، وتنافس الصين واليابان على دول جنوب شرق آسيا. من هذا المنطلق عدت الولايات المتحدة التدخل في شئون تلك الدول أمرًا مشروعًا، لأنّه يحفظ الأمن القومي الأمريكي.

Embed from Getty Images

من هذا المنطلق أعادت الإدارة الأمريكية إحياء مبدأ جيمس مونرو، الموضوع في 2 ديسمبر (كانون الأول) 1823. ففي رسالةٍ سلّمها مونرو إلى الكونجرس نادى بضمان استقلال كل دول نصف الكرة الغربيّ من التدخل الأوروبي. مُجمل البيان أن الولايات المتحدة يجب ألا تسمح بتكوين أي «مستعمرات» أوروبية جديدة في الأمريكتين، ولا تسمح أيضًا للمستعمرات القائمة بالتوسع.

أو بلغة ما بعد المستعمرات، فعلى الولايات المتحدة ألا تسمح لأوروبا بالحصول على موطئ قدم في أمريكا اللاتينية. وإذا حدث ذلك، فعلى واشنطن أن تتدخل لوأد ذلك التحالف اللاتيني الأوروبي في مهده. ذلك لأن دول أمريكا اللاتينية يجب أن تكون خاضعةً بالكامل لواشنطن، واشنطن فقط.

ذلك المبدأ الذي فرضته الولايات المتحدة بحُجة الدفاع عن جيرانها، أثار استيائهم أكثر مما فعل التدخل الأوروبي؛ فدول أمريكا اللاتينيّة انزعجت من الطريقة المتعالية التي تعاملت بها الولايات المتحدة معها. فأصبح تخوّفهم من هيمنة الشمال الأمريكي أكبر من خوفهم من أي هيمنة غربية أوروبية. حاول فرانكلين روزفلت طمأنتهم باتباع سياسة حسن الجوار. لكن التدخل الاستخباراتي الأمريكي لم يتوقف، فازداد التوجس اللاتيني. لم تُحسن الولايات المتحدة احتواء هذا التوجس، وبدأت فلسفة جديدة في التعامل «أنت لست صديقنا، فأنت عدونا».

نجم اليسار يبزغ وشمس الهيمنة الأمريكية تتهاوى

ارتفعت تلك الفلسفة مع صعود اليسار في دول أمريكا اللاتينية تباعًا. بدايةً من سيمون بوليفار الثائر الذي أخرج دول أمريكا اللاتينية من تحت أقدام الاحتلال الإسباني. ثم بزوغ شمس الكوبيّ المناضل فيديل كاسترو، والفنزويلي الثائر هوجو تشافيز، والأرجنتينيّ الغاضب تشي جيفارا. تلك الأسماء شكلّت خنجرًا في خاصرة واشنطن. الجرح الناتج منه يثير استياء واشنطن للأبد، خاصةً وأن التراث الذي تركه هؤلاء يبدو صعب الاندثار أمام محاولات واشنطن المتكررة لإطاحة قادة تلك الدول.

 

في عام 1924 وخلال حديثه عن المكسيك، قال روبرت لانسينج، وزير الخارجية الأمريكي في عهد الرئيس وودرو ويلسون، إنه يجب أن نتخلى عن فكرة تثبيت مواطن أمريكي على سدة الرئاسة المكسيكية؛ لأن ذلك سيؤدي حتمًا إلى حرب جديدة.

الحل من وجهة نظره كان يتطلب مزيدًا من الوقت؛ إذ يجب على الإدارة الأمريكية أن تفتح أبواب جامعاتها أمام الشباب المكسيكي. تُعلمهم الطريقة الأمريكية في الحياة، وتربيهم على احترام الأعراف السياسية الأمريكية. لذا بعد سنوات قليلة، سيشغل هؤلاء الشباب مناصب مهمة من دون أن تضطر الولايات المتحدة إلى إنفاق قرش واحد أو إطلاق رصاصة واحدة. يقول لانسينج إنهم سيفعلون ما تريده واشنطن بشكل أفضل، وحماسة أكثر مما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة نفسها.

كلام يشع دبلوماسية، لكنّه لم يعنِ أن تضع واشنطن خياراتها العسكرية جانبًا. الولايات المتحدة دعمت ثورة «الكونترا» في نيكارجوا عام 1927. وأنشأت البحرية الأمريكية قواتٍ موالية تحت مُسمى «قوات الحرس الوطني» ووضعت على رأسها أناستاسيو سوموزا، ديكتاتور المستقبل.

وتدخلت عسكريًّا في كوبا أيضًا، وتحديدًا جزيرة «جرانادا» عام 1983، حين وصلتها معلومات عن انقلاب يساري على السلطة. ثم غزت بنما، واعتقلت رئيسها الجنرال نورييجا وألقت به في السجن بتهمة تهريب مخدرات للولايات المتحدة. غزو بنما الذي حدث في ديسمبر 1989 كان ضد نورييجا، الصديق الوفي للولايات المتحدة، والجسر بين المافيا الكولومبية ووكالة المخابرات الأمريكية. لكن في لحظة شجاعة نادرة رفض نورييجا أن يكون للولايات المتحدة السيطرة الكاملة على بلده أو على قناة بنما خاصةً. فأرسلت إليه الولايات المتحدة 26 ألفًا من جنودها للسيطرة على تلك البلد الصغير، وقتلوا 4 آلاف مدني في حملتهم تلك.

تشيلي: الحصار الأمريكي لهزيمة اليسار

عام 1970 وقع الاختيار على اليساري سلفادرو أليندي ليكون رئيسًا للبلاد. فاز في الاقتراع الشعبي ثم صوت البرلمان بالموافقة على نتيجة الاقتراع، وفق التعديل الذي أُجرى عام 1952، ويمنح البرلمان ذلك الحق. لم يكد أليندي يُتم أيامه الأولى حتى بدأت المواجهة بينه وبين الولايات المتحدة. أليندي قدّم برنامجًا إصلاحيًّا يساريًّا يشمل تشكيل حكومة تضم كل الأحزاب اليسارية. كما قرر تغيير النظام الاقتصادي القائم بنظامٍ آخر اشتراكيّ الطابع.

 

لكن أول قرارته الفعلية كانت فرض قانون الطوارئ في البلاد. اضطُر لفعل ذلك بعد اغتيال رينيه شنادر القائد العام للجيش. شنادر كان من أشد المؤمنين بضرورة بقاء الجيش بعيدًا عن السياسة. واغتياله قبيل توقيع المحكمة على بيان فوز أليندي يثير شبهات وتساؤلات كثيرة.

الثابت في المشهد أن أليندي وصل إلى السلطة بانتخاباتٍ لا يوجد أدنى شك في نزاهتها. لذا كان لزامًا على الولايات المتحدة أن تنتهج سياسةً أخرى غير التشكيك في نزاهة الانتخابات. الطريقة كانت الاستمرار في دعم اليمين المعارض لأليندي حتى يشارك في الانتخابات اللاحقة. فمنحته الولايات المتحدة  عام 1971 دعمًا قدره 3.88 مليون دولار، ثم منحته مبلغ 2.54 مليونًا عام 1972. وبعد عامٍ واحد منحته الولايات المتحدة مليونًا إضافيًّا.

إضافةً لدعم المعارضة، فرضت الولايات المتحدة حصارًا اقتصاديًّا على تشيلي. فانخفضت أسعار النحاس، ومنعت جميع البنوك الأمريكية، والبنك الدولي، وبنك التنمية الأمريكية من إقراض تشيلي. ومع توجه حكومة أليندي لاستيراد الماكينات الزراعية والغذاء بالعملات الأجنبية؛ فقد نفد الاحتياطي الأجنبي. كذلك زرعت الإدراة الأمريكية الشقاق بين أبناء الحكومة الواحدة. وأخيرًا التخطيط المباشر للانقلاب العسكري عبر إحداث حالة من الفوضي.

يعترف المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، جاك كوين، أن وكالته دبرت خطة مع شركة البرق والهاتف الدولية «ITT» تهدف إلى دفع العسكريين للانقلاب عبر إغراق البلاد في فوضى اقتصادية. وقد كان، ففي 11 سبتمبر (أيلول) 1973، تحرك الجنرال أوجستو بينوشيه، ليحاصر القصر الرئاسي بدباباته.

البرازيل: ديمقراطية واعدة اغتالتها واشنطن

البرازيل كان لها نصيبٌ من التدخل الأمريكي. عام 1963 عملت الولايات المتحدة على إطاحة خواو جولارت، والذي كانت تهمته أنّه كان «شيوعيًّا صريحًا»، كما وصفته المخابرات الأمريكية. دعمت المخابرات رئيس أركان الجيش البرازيلي أومبرتو كاستيلو برانكو، خوفًا من أن تتحول البرازيل لـ«صين الستينيّات» كما صرّح بذلك السفير الأمريكي لينكولن جوردن.

سجلات أرشيف الأمن القومي التي رُفعت عنها السرية مؤخرًا  نقلت اعترافًا من وكالة الاستخبارات المركزية، بأنها من مولت الجيش البرازيلي بالوقود والسلاح ليحسم الأمر بسرعة. كما نُقل عن ليندون جونسون، الرئيس الأمريكي آنذاك، حثّه لمستشاريه بضرورة اتخاذ كل خطوة ممكنة، وأن يكونوا مستعدين للقيام بكل ما يلزم.

في مارس (آذار) 2016 صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الأرجنتين أن بلاده تعلّمت من أخطاء الماضي، مشيرًا إلى دور الولايات المتحدة في انقلاب عام 1976 فيها. ترامب أراد أن يطمئن أمريكا اللاتينية أن سياسة بلده تغيّرت. لكن بعد شهر واحد فقط، شهدت البرازيل على كَذب تلك الرسالة. فقد ظهر للنور الدور الأمريكي في عزل الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف. في 17 أبريل (نيسان) 2016 قرر مجلس الشيوخ البرازيلي عزل روسيف، ليُنهي بذلك حكم حزب العمال اليساري المُسيطر على الحكم منذ 13 عامًا. الحملة مُولّت من «الصندوق الوطني للديمقراطية» الأمريكي، ومن «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية».

من قبل روسيف كانت المحاولات الأمريكية مستمرةً إبان فترة حكم لولا دا سيلفا. المحاولات التي انتهت بسجن دا سيلفا بتهم فسادٍ واهية. وآلت مقاليد الحكم بعد روسيف إلى ميشال تامر ثم جايير بولسونارو، وكلاهما يعترف بالولاء للولايات المتحدة.

المصادفة الغريبة التي تثير التساؤل أكثر مما تثير العجب، أن انقلاب البارجواي ضد الرئيس الأسبق، القس فرناندو لوغو، عام 2012 جاء بعد تعيين ليليانا وايفز سفيرةً لواشنطن في البارجواي. ثم حين توّلت وايفز منصب سفيرة واشنطن في البرازيل، حدث الانقلاب الدستوري على روسيف!

الأرجنتين: الشاهدة على منهجيّن

لم تسلم الأرجنتين هى الأخرى. عام 1976 دعمت الولايات المتحدة انقلابًا بقيادة جورج رافائيل فيديلا، لإطاحة الرئيس إيزابيل بيرون. الانقلاب استمر حتى عام 1983، راح ضحيته 30 ألف شخص، وأُلقى بالآلاف في غياهب السجون.

المُميز في الأرجنتين أنها تُعد شاهدًا على نهجين مختلفين للإدارة الأمريكية. الأول الانقلاب العسكري، الثاني التدخل الناعم الخفي. الأسلوب الثاني الذي يلمسه المستقصي لأحوال  البرازيل، وفنزويلا، وتشيلي، وبوليفيا حاليًا. لكن الأرجنتين كان أول من شهدته في عهد الرئيسة السابقة كريستينا فرنانديز. كريستينا وضعت حزمة من البرامج والإصلاحات من أجل إخراج بلادها من كبوتها.

بدأتها بسياسة تقشف صارمة ساهمت في تسديد جزء كبير من ديون الأرجنتين. ثم جذبت الشركات الكبرى للاستثمار في الدولة فتقلصت نسبة البطالة. وشهدت لها الأرقام بالنجاح، فارتفع الناتج القومي من 307 مليار دولار عام 2009 إلى 7368 مليار دولار عام 2010.

الانقلاب الناعم كان بدعم وسائل الإعلام الأمريكية، ووسائل التواصل، ورجال الأعمال لمرشح يمين الوسط موريسيو ماكري. الذي أعلن أن التناغم مع الولايات المتحدة أهم أولوياته، في الوقت التي كانت كريستينا تتهم الولايات المتحدة بدعم الإرهاب من على منبر الأمم المتحدة.

الحقيقة أن ليس كل الأزمات التي تمر بها أمريكا اللاتينية من صنع واشنطن. هناك أزمات صنعتها تلك الدول باعتمادها المُفرط على النفط، واعتبارها أن الطلب على النفط سيظل كما هو لن يتغيّر أبدًا. لكن حتى تلك الدول التي تعصف بها أزمات لا دخل للولايات المتحدة فيها، فإن الولايات المتحدة تنفخ في نيرانها حتى تشتعل أكثر.

فنزويلا تُعد مثالًا واضحًا على تلك السياسة. منذ وصول هوجو تشافيز إلى السلطة عام 1998 بأغلبية ساحقة، والولايات المتحدة تُشعل نيران الأزمات. بدأ تشافيز حكمه باستعادة السيطرة على شركة النفط الوطنية، وفرض ضرائب مضاعفة على شركات النفط الأمريكية بداخل فنزويلا. لذا سرعان ما تدخل رامسفيلد، وزير الدفاع في حكومة جورج بوش، لتأليب الطبقة المتوسطة وضباط الجيش المعارضين لتشافيز. بدأ الأمر بإضراب داخل شركة النفط، ثم انقلاب من ضباط الجيش، فاعتقال تشافيز. لكنّه نجح من معتقله في التواصل مع الضباط الموالين له؛ ففشل الانقلاب، وعاد لمنصبه بعد 72 ساعة.

بعد تولية نيكولاس مادورو غير المرضي عنه أمريكيًّا أيضًا، محاولة انقلابية عام 2016. لكن فشلت تلك المحاولة أيضًا، فلجأت الولايات المتحدة لخطة أقل عسكريةً. الخطة كانت حشد الشعب ضدّه اعتمادًا على انخفاض أسعار النفط، وضعف مهارات مادورو القياديّة. الأمر الذي انتهى بدعم الولايات المتحدة صراحةً للمُعارضة، بوصفها بديلًا سياسيًّا.

الحقيقة الأخرى أن الولايات المتحدة لن تتوقف عن التدخل في شئون أمريكا اللاتينية. ولن ترضى واشنطن عن العواصم الجنوبية حتى يُسلّموا لها بالكامل.

ثورة ديمقراطية أم انقلاب؟ دليلك لفهم ما يحدث في بوليفيا الآن

المصادر

تحميل المزيد