كلما ذُكِرَ العنف في أفغانستان، حطَّ الحديث رحاله على شاطئ طالبان، لولا أن هذا الانطباع السائد لا يعكس الصورة الأفغانية الكاملة؛ فطالبان ليست الوكيل الحصري للعنف في أفغانستان، حسبما تؤكد الوقائع التي فصَّلها الباحث المشارك في مركز دراسات القوة الجوية، القيادة الجوية الغربية- نيودلهي، سوراف ساركار، في تحليل نشرته مجلة ذا دبلومات بتاريخ 22 أغسطس (آب) العام الماضي.

في ذلك الوقت، أواخر العام الماضي، لم تكن الولايات المتحدة قد توصلت بعد إلى اتفاق السلام الذي أبرمته مع حركة طالبان في فبراير (شباط) من العام الجاري، لكن الباحث المتخصص في العلاقات الدولية حذّر مبكرًا من أنه حتى لو توصلت الحركة غدًا إلى اتفاقِ سلامٍ مع خصومها فلن تنتهي مشكلة العنف في أفغانستان، مستدلًا بالهجمات التي أظهرت تواصل العنف بلا هوادة حتى مع إحراز تقدم على صعيد محادثات السلام.

ما منح هذه التحذيرات ثقلًا أكبر في ذلك الحين هو الهجوم المزدوج الذي استهدف حفل زفاف في منطقة غالبية سكانها من الشيعة يوم 17 أغسطس، وأودى بحياة 63 شخصًا على الأقل، وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» مسؤوليته عنه.

 وبينما أدان المتحدث باسم حركة طالبان، ذبيح الله مجاهد، الهجوم، وقال في رسالة نصية لوسائل الإعلام: إنه «لا يوجد مبرر لعمليات القتل المتعمد واستهداف المدنيين من النساء والأطفال»، فإن هذا الهجوم، الذي لم يكن سوى حلقة جديدة في سلسلة تفجيرات ضربت أفغانستان قبيل اتفاق السلام مع أمريكا، بعث برسالة مفادها أن جذور العنف في هذا البلد يمكن تتبعها إلى أماكن كثيرة أخرى غير معاقل طالبان. 

ولا غروَ، فقد كان ذلك الهجوم هو «الأكثر دموية خلال العام الماضي في كابول» حتى أن محلل السياسة الخارجية بموقع فوكس زيشان عليم انضم إلى سوراف ساركار، وأعرب عن تشاؤمه في تقرير له، قائلًا إن الإرهاصات التي يراها المراقبون لا تبشر بالخير بالنسبة للاتفاق المزمع بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، ويمنح مصداقية للنقاد الذين يقولون إن الصفقة ستكون كارثة للأفغان، وينذر بأن «المعاناة ستستمر» حسبما خلص تقرير أعده أحمد مِنجلي ومشتاق يوسفزاي ويوليا تلمزان لصالح شبكة إن بي سي نيوز. 

تجمعت غيوم هذه التحذيرات كلها في سماء الاتفاق الذي وقعته حركة طالبان والولايات المتحدة، يوم السبت الموافق 29 فبراير 2020 في العاصمة القطرية الدوحة لإحلال السلام في أفغانستان، وبعيدًا عن الغوص في بنود الاتفاق، ستحاول السطور التالية رسم صورة أكثر شمولًا لدائرة العنف في أفغانستان، عن طريق رصد الفاعلين الآخرين في المشهد الأفغاني غير حركة طالبان، وعلى رأسهم: تنظيم الدولة الذي يُرَجَّح الباحث سوراف ساركار أن يكون المستفيد الأكبر الآن؛ من خلال توظيف هذه التسوية – باعتبارها مداهنة من طالبان للعدو الأمريكي – لإحداث شروخ في صفوف الحركة.

ماذا تخبرنا الأرقام عن خريطة العنف في أفغانستان؟

أثبتت السنوات القليلة الماضية أن كلمة السر وراء أي تحرُّكٍ يُقدِم عليه ترامب يكون الهدف الرئيس منه هو: تعظيم حظوظ بقائه في البيت الأبيض لفترة رئاسية ثانية؛ ولذلك فإن تقييم اتفاق السلام مع طالبان، لا ينبغي أن يتجاهل هذه الحقيقة، فالهدف الأول الذي يسعى ترامب لتحقيقه في أفغانستان ليس إحلال السلام، ولكن كسب ورقة انتخابية يستطيع التباهي بها أمام الجمهور الأمريكي، تمامًا كما هو حال اتفاقيات السلام الأخيرة مع إسرائيل.

وفي ظل فشل القوات الأمريكية والأفغانية في تفكيك الجهات الفاعلة العنيفة غير الحكومية ونزع سلاحها، ناهيك عن إجبارها على التعاون مع الحكومة الأفغانية، من المهم عدم الإغراق في تتبع التصريحات الوردية، والذهاب مباشرة إلى الأرقام التي لا تحسن التجمُّل كما يفعل السياسيون. 

تخبرنا التقديرات التي نشرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المنشورة في يونيو (حزيران) 2019، لوجود ما بين 8 آلاف إلى 10 آلاف مقاتل أجنبي في أفغانستان، منهم 2500 إلى 4 آلاف مرتبطون بـ«ولاية خراسان» التابعة لـ«تنظيم الدولة»، المناهض لطالبان. 

وإذا كانت بعثة المساعدة التابعة للأمم المتحدة في أفغانستان حمَّلت المسؤولية عن غالبية الضحايا المدنيين (6980) في عام 2018 للقوات المناهضة للحكومة، وحتى لو كانت حركة طالبان تستحوذ على 37% من هذه الحصة، فإن حوالي 26% منها تتحمل مسؤوليته ولاية خراسان 20% وغيرها من الجماعات المسلحة 6%؛ ما يعني أن حركة طالبان حتى لو وضعت سلاحها، فإن قاطرة العنف لن تتوقف غالبًا عن اجتياح أفغانستان.

ولتتضح الصورة أكثر، لا بد من الإشارة إلى أن الخسائر التي ألحقتها العناصر المناهضة للحكومة ارتفعت بنسبة 3% مقارنة بعام 2017، وتضاعف عدد الضحايا المدنيين نتيجة الهجمات التي شنتها ولاية خراسان بأكثر من الضعف، من 843 في عام 2017 إلى 1871 في عام 2018، بما في ذلك الهجمات التي تستهدف الشيعة؛ ما يسلط الضوء على جوانب أكثر جموحًا من خريطة العنف في أفغانستان.

ماذا عن شبكات تنظيم القاعدة في أفغانستان؟

لا يزال تنظيم القاعدة ينظر إلى أفغانستان باعتبارها «ملاذًا آمنًا لقيادته»؛ وهذا أمر مُتَفَهَّم بالنظر إلى العلاقات التي نشأت بين القاعدة وطالبان في خضم الحرب الأهلية الأفغانية في منتصف التسعينيات، والتعاون الثنائي بينهما في قتال أعدائهما المشتركين، علاوة على ذلك، لطالما أظهرت قيادة القاعدة، بدءًا من أسامة بن لادن وحتى أيمن الظواهري، الولاء لأمراء طالبان الثلاثة المتعاقبين، واعترفوا بكل منهم أميرًا للمؤمنين. 

كما شدد تنظيم القاعدة وحركة طالبان علانية مرارًا وتكرارًا على الطبيعة المهمة لتحالفهما، ووجها دعوة لجميع المسلمين إلى المشاركة في حركتهما الجهادية، ودعا بن لادن إلى عودة تدريجية للخلافة، ورأى أن إمارة أفغانستان الإسلامية تحت حكم طالبان خطوة مهمة في هذا الصدد، وهي وجهة نظر تبناها الظواهري أيضًا، حسبما يلفت تحليل ذا دبلومات. وعلى الرغم من أن طالبان لم يكونوا في السلطة منذ عام 2001، إلا أن الحركة أصبحت أقرب اليوم إلى إعادة تأسيس إمارتها أكثر من أي وقت منذ ذلك الحين، وإسهامات القاعدة في هذا الانبعاث لا تكاد تخطئها عين. 

وأفغانستان بهذا المعنى أكبر من مجرد ملاذ آمن، إذ يلفت الباحث سوراف ساركار إلى العلاقة التي ينسجها تنظيم القاعدة مع المجموعات المسلحة الأخرى في المنطقة، مثل: عسكر طيبة وشبكة حقاني وجيش محمد وجماعات آسيا الوسطى وطالبان باكستان وغيرها؛ لتعزيز نفوذها الإقليمي.

يعزز هذا التوجه تحويل عسكر طيبة وجيش محمد بعض أنشطتهما ووجودهما إلى أفغانستان؛ تحت وطأة جهود مكافحة الحركات المسلحة في باكستان، فيما لا تزال مقاطعة كونار نقطة محورية بالنسبة للجماعات المسلحة، ويعتقد أن عسكر طيبة ما زالت تمارس دورا رائدًا لتسهيل أنشطة التوظيف والدعم المالي. هذا ما يعترف به المسؤولون الأفغان أنفسهم، إذ صرحوا بأن حوالي 500 عضو ضمن جماعة عسكر طيبة ينشطون في مقاطعتي كونار ونانجارهار، وأن العديد من أعضاء ولاية خراسان (بما في ذلك حاكمها الحالي) كانوا أعضاء سابقين في عسكر طيبة. 

ويحرص تنظيم القاعدة على تعزيز وجوده خاصة في ولاية بدخشان المتاخمة لطاجيكستان وكذلك في مقاطعة باكتيكا (معقل شبكة حقاني، المتاخمة لشمال وزيرستان، باكستان)، وتعمل بعض الجماعات المسلحة في آسيا الوسطى المرتبطة بتنظيم القاعدة بنشاط في بدخشان، وتنسق مع شبكات تهريب المخدرات عبر الحدود بين أفغانستان وطاجيكستان، وتستخدم طرق التهريب هذه «لتمرير المقاتلين إلى آسيا الوسطى»، بحسب تقرير الأمم المتحدة الصادر في 2019.

صحيح أن طالبان لا تسمح حاليًا للجماعات الموالية لها بالقيام بأي عمليات يمكن أن تخدم مزاعم دعم الحركة للإرهاب الدولي، والطعن في كونهم قوة وطنية ساعية لخير البلاد، لكن هذا الوضع قد لن يدوم طويلا إذا حولت بعض هذه الجماعات ولاءها صوب تنظيم الدولة، وقررت توسيع نطاق هجماتها بدلًا من إلقاء أسلحتها، ليس فقط على المستوى المحلي، ولكن أيضًا في آسيا الوسطى وربما على الساحة العالمية. 

ماذا عن «تنظيم الدولة» في خراسان؟

من الضروري هنا توضيح أن مقاطعة خراسان منيت بانتكاسات عسكرية كبيرة في مواجهة القوات الأمريكية والأفغانية وقوات طالبان على مدار العامين الماضيين، وأن تواجد التنظيم ضئيل في أفغانستان، إذ يقتصر معظمه على مقاطعتي نانجارهار وكونار المتاخمتين لباكستان.

ومع ذلك، لا ينبغي إغفال أن «تنظيم الدولة» يتمتع بالقدرة على تنفيذ هجمات على مستوى البلد، بالإضافة إلى الأنشطة الضريبية والدعائية والعنيفة التي ينخرط فيها بمرونة يعود الفضل فيها إلى علاقاته الممتدة والموارد التي حصل عليها من التنظيم الأم في العراق وسوريا حتى قبل إنشائه في عام 2013.

يتضح ذلك من تجديد المقاتلين في مناطق مختلفة من خراسان، مع سبعة قادة محليين مختلفين، ولاؤهم للخليفة أبو بكر البغدادي في شريط فيديو نُشِرَ على الإنترنت في يونيو (حزيران) 2019. شملت تلك المناطق: أفغانستان وإيران والهند وكشمير وباكستان. 

بيت القصيد هنا هو: أن العديد من هؤلاء القادة انتقدوا انخراط طالبان في العملية السياسية والدبلوماسية السائدة، وناشدوا أعضاء طالبان أن يظلوا مخلصين للإسلام؛ وهو ما يعيدنا إلى التحذيرات التي استهل بها التقرير من أن يؤدي اتفاق السلام مع طالبان إلى دفع المزيد من المجندين إلى صفوف «تنظيم الدولة» ومن ثم تصعيد العنف في البلاد. 

ليس هذا كل شيء، فمنذ أن خسر تنظيم الدولة خلافته في الشرق الأوسط، ثمة مخاوف من أن الطاجيك ومقاتلي آسيا الوسطى الآخرين قد يرون أفغانستان ساحة معركة بديلة، لا سيما وأن الانضمام إلى ولاية خراسان أصبح أسهل على المواطنين الطاجيك بعد انضمام جماعة أنصار الله الطاجيكية في عام 2017.

ما لا تخبرك به التصريحات الرسمية عن الوضع في أفغانستان

هذه التحذيرات بلغت حد التواتر، ولم تقتصر على الباحث سوراف ساركار والكاتب زيشان عليم، بل أيدها آخرون أمثال باميلا كونستابل وكارين ديونج اللتين حذرتا عبر صحيفة واشنطن بوست من «تهديد كبير آخر يلوح في أفغانستان، هو: تنظيم الدولة».

صحيحٌ أن المتحدث باسم وزارة الدفاع الأفغانية، فواد أمان، تفاخر بأن الحكومة نجحت في «اجتثاث قواعد التنظيم في الشرق، حتى باتوا يتركزون في مناطق صغيرة للغاية»، وبالتالي لم يعد بمقدورهم «قتال قواتنا وجهًا لوجه». لكن القادة المحليين في مقاطعتي نانجاهار وكونار الحدوديتين يروون قصة مختلفة، ويقولون: إن قوات «تنظيم الدولة» تواصل ترويع القرويين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وتجنيد الأولاد بالقوة ومنع الفتيات من ارتياد المدرسة.

وحتى لو كان المسؤولون الأمريكيون يعولون على أن قوات طالبان و«تنظيم الدولة» يواصلان القتال ضد بعضها البعض، فإنهم لا يخفون خشيتهم من الاحتمالية المرعبة المذكورة آنفًا، وهي: أن ينضم بعض مقاتلي طالبان إلى قوات «تنظيم الدولة» في أي وقت قريب.

وحتى لو أسكرت نشوة الاحتفال بـ«اتفاق السلام التاريخي» عددًا من وسائل الإعلام العالمية، فإن الحقائق على الأرض كفيلة بإفساد الاحتفال الذي أرادته الإدارة الأمريكية صاخبًا، إذ تحولت الأنظار قسرًا في التاسع من الشهر الماضي إلى من يقف وراء الهجوم الذي نأت حركة طالبان بنفسها عنه وأسفر عن مقتل 10 أشخاص على الأقل وإصابة مسؤول بوزن أمر الله صالح، النائب الأول للرئيس الأفغاني ورئيس جهاز المخابرات سابقًا بجروح في وجهه وأحد كفيه، من بين 15 مصابًا آخرين.

وقبلها بشهر تقريبًا، نظم مسلحو «تنظيم الدولة» اقتحامًا هوليوديًا على سجن في جلال آباد شرق أفغانستان، يضم أكثر من 1700 سجين معظمهم مقاتلون في «تنظيم الدولة» وحركة وطالبان، واستبقوا هجومهم بتفجير سيارة مفخخة قرب السجن ورشق الحراس بنيران أسلحتهم، ما أسفر عن مقتل وإصابة ما يزيد عن 60 شخصًا. 

هذا فضلًا عن سقوط 20 قتيلًا على الأقل منهم مدنيون وسجناء، في معارك لا تزال مستمرة بين قوات الأمن ومسلحين. وذلك أثناء عملية اقتحام سجن في جلال أباد الأحد، تبناها «تنظيم الدولة الإسلامية»، علمًا أن مئات المساجين فيه ينتمون إما للتنظيم أو لحركة طالبان. 

لكن يبدو أن ترامب لا يشغل نفسه بكل هذه التفاصيل المعقدة، ويركز على هدفه الأسمى: تأمين ولاية رئاسية ثانية، حتى لو كان الأمريكيون أنفسهم يرون حركة «تنظيم الدولة» هي: «التهديد الإرهابي الأكبر»، وحتى لو كانت وزارة الدفاع اعترفت في تقرير أرسلته للكونجرس قبل أشهر بأنه حتى لو تم التوصل إلى تسوية، فإن تنظيمي القاعدة والدولة وبعض المتشددين من طالبان سوف يشكلون «تهديدًا كبيرًا» لأفغانستان والولايات المتحدة.

 صحيح أن هذا التحذير ليس بريئًا، إذ يهدف إلى عدم خلع واشنطن نفسها من المشهد تمامًا، لكنه يسلط الضوء على أن تحذيرات المراقبين والخبراء تتوافق مع تقييم البنتاجون للوضع الأمني في أفغانستان.

وصحيح أن عدد مقاتلي «تنظيم الدولة» في أفغانستان يقدر ما بين 2500 و5 آلاف مقاتل، وفقًا لإحصائيات الجيش الأمريكي والأمم المتحدة، أي أقل بكثير من عدد قوات طالبان التي تضم حوالي 80 ألف مقاتل، لكن تبقى مخاوف واسعة النطاق من أن هذه الأرقام قد ترتفع أكثر إذا استطاع «تنظيم الدولة» استقطاب مقاتلي طالبان المتشددين الذين يعارضون الصفقة مع أمريكا، وبالتالي زيادة وتيرة الهجمات المسلحة.

كما أن مسيرة السلام نفسها لا تسير بسلاسة، فبينما كان يفترض أن تبدأ محادثاتها في مارس (آذار)، تأجلت مرارًا بسبب الخلافات حول صفقة تبادل الأسرى التي شملت الإفراج عن مئات المتمردين، لكنها اصطدمت بمعارضة باريس وأستراليا لإطلاق سراح ستة من عناصر طالبان بسبب علاقتهم بمقتل مدنيين فرنسيين وأستراليين وجنود.

ماري ترامب

ما سبق يقودنا إلى عدة استنتاجات أبرزها: أن تحقيق السلام في أفغانستان لا يمكن إنجازه بمجرد اتفاقٍ لا يعالج سوى القشور، بينما تهدف إدارة ترامب من ورائه إلى تحقيق مكاسب انتخابية في المقام الأول، بل يتحتم النظر إلى الصورة الأوسع الذي حاول هذا التقرير الإحاطة بجزءٍ هامٍ منها، ومعالجة المظالم المتراكمة على مدى عقود في هذا البلد الذي أنهكته الصراعات. 

المصادر

تحميل المزيد