حين تذهب إلى ألمانيا لتتحدث عن مستقبل أوروبا، فتقرر طرح موضوعات تهتم بها الغالبية العظمى من الأوروبيين، مثل الضعف النسبي لحلف شمال الأطلسي، وإخفاقات السياسة الخارجية الأوروبية، وكذا الاستخدام الروسي للمال والتضليل لضرب علاقة أوروبا بالولايات المتحدة الأمريكية، فإن الألمان يمرون سريعًا على هذه الأمور، ويهزون رؤوسهم؛ ثم يسرعون بتغيير مسار الحديث إلى موضوعات أخرى.

البعض في ألمانيا لا تتعدى نظرته إلى السياسة مجرد التفكير في أضواء الشوارع وتصاريح البناء. كما أن التهديد الذي تشكله اتفاقية التجارة الحرة عبر الأطلسي وما يصاحبها من خطر الطيور المعدلة وراثيًّا بات يشغل بال الكثيرين في برلين بدرجة أكبر من القضايا الخارجية الأخرى؛ وليست القضية الأوكرانية والموقف الروسي منها منا ببعيد.

وبدلاً من مناقشة القضايا المتعلقة بحلف الناتو، فإن قضية المواد الغذائية والطيور المعدلة وراثيًّا والتي يتم غسلها في المياه المعالجة بالكلور تظل محور نقاش الشعب الألماني، خاصةً وأن تمرير اتفاقية التجارة الحرة التي ما تزال قيد النقاش قد يفضي إلى فرض هذه المنتجات على المواطنين في ألمانيا من قبل الشركات الأمريكية.

كانت المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل قد بعثت بتهانيها للشعب الألماني خلال الاحتفالات بسقوط جدار برلين؛ وثمَّنت الدور الذي لعبه الألمان في الثورات السلمية والديمقراطية في عام 1989. تلك الأحداث التي أثبتت، وبحسب ما تقول ميركل، أن الألمان «قادرون على تغيير الأوضاع إلى الأفضل». كما أنها تعطي بارقة أمل في أن الآخرين – سواءً كانوا في سوريا، أو أوكرانيا، أو في أماكن أخرى- سيتمتعون يومًا ما بمثل هذا التحول الذي عاشته ألمانيا يوم سقوط الجدار.

لكن بعيدًا عن الاحتفالات في برلين، تعود المستشارة الألمانية من جديد لممارسة دورها الريادي في مفاوضات الغرب مع روسيا باعتبارها مفاوض الغرب الرئيس مع موسكو. ساهمت ألمانيا (وليس الاتحاد الأوروبي، وبالطبع ليست الولايات المتحدة) بشكل كبير في عقد الاجتماعات الهامة بل والإشراف على فرض سلسلة من العقوبات الاقتصادية ضد روسيا في الفترة الأخيرة. تلك العقوبات التي جاءت كوسيلة ضغط لدفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نحو وقف التصعيد في أوروبا، أو حتى منحه مخرجًا للأزمة. وبالرغم من أن الواقع لا يبشر بأن الجهود الدبلوماسية قد أتت بثمارها، إلا أن ذلك لا يمنعنا من التأكيد على أن ألمانيا قد لعبت دورًا محوريًّا في تلك المفاوضات، وستواصل القيام بذلك في المستقبل القريب.

وعلى النقيض مما شهدناه مع التجربة الأمريكية في منتصف القرن العشرين، الذي لعبت فيه الولايات المتحدة دورًا أكبر؛ وشهد ظهور فئات من السياسيين، وموظفي الدولة، والصحفيين كانوا على استعداد لصياغة الأفكار، وأيضًا المشاركة في القضايا الدولية، فإن ألمانيا لم تشهد ظهور أية فئات مماثلة، خاصة وأنها لا تبدو متحمسةً لقيادة المجتمع الدولي.

وينعكس هذا التوجه بشكل كبير في استطلاعات الرأي التي تظهر بين الحين والآخر في ألمانيا. فالدعم الشعبي الألماني لفرض عقوبات اقتصادية ضد روسيا لم يكن لتحظى به ميركل دون الاستعانة بعوامل خارجية ومنها حادثة تحطم طائرة الخطوط الجوية الماليزية فوق الأراضي الأوكرانية؛ كما أن تقديم الدعم «لدور عالمي أكبر لألمانيا» ما يزال يفتقد إلى تأييد الغالبية الساحقة في ألمانيا.

وأخيرًا يمكننا القول بأن ميركل وحكومتها قد سقطا في فخ غريب. ففي الوقت الذي تكافح فيه فرنسا وإيطاليا من أجل إصلاح اقتصادهما الضعيف، فإن بريطانيا تكافح هي الأخرى للتوصل إلى قرار نهائي بشأن بقائها في الاتحاد الأوروبي. ناهيك عما يعانيه الاتحاد الأوروبي ذاته من ضعف سياسته الخارجية؛ وهو ما يجعل ميركل المتحدثة الرسمية الفعلية باسم أوروبا، في وقت لا ترغب فيه المستشارة الألمانية أن تكون متحدثة باسم أي شيء. فإلى متى ستستمر هذه المفارقة؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد