خلال المؤتمر الوطني التاسع عشر الذي انعقد عام 2017، تبنّى الحزب الشيوعي الصيني رسميًا مبادرة «الحزام والطريق»، التي تمتد إلى 68 دولة على الأقل، باستثماراتٍ معلنة تصل قيمتها إلى 8 تريليون دولار، لبناء شبكة واسعة من البنى التحتية للنقل والطاقة والاتصالات السلكية واللاسلكية التي تربط بين أوروبا وأفريقيا وآسيا.

للوهلة الأولى، يبدو مغريًا لأي دولة أن تكون جزءًا من ذلك «الحلم» لتحظى بنصيبٍ من هذه «النَّفَحَات» الصينية، لكن بالغوص أكثر في التفاصيل يستبين لنا أن الصين عادة ما تُمَوِّل مشاريع البنية التحتية في الخارج من خلال القروض. وهذا التمويل – وإن كان ينطوي على فوائد للجانبين – إلا أنه يخدم في الأساس الأهداف الاقتصادية والسياسة والأمنية الرئيسة للحكومة الصينية.

والخطر الأكبر الكامن وراء هذه القروض هو أنها قد تخلق تحديات لاستدامة الديون السيادية لدى الدول المقترضة. فعندما يكون الدائن نفسه سيادِيًا، أو لديه علاقات رسمية بجهات سيادِيّة، مثل: بنوك السياسة الصينية – بنك التنمية الصيني (CDB)، وبنك التصدير والاستيراد الصيني، وبنك التنمية الزراعية الصيني (ADBC) – غالبًا ما تؤثر هذه التحديات سلبًا على العلاقة الثنائية بين حكومتي البلدين.

وإذا نظرنا إلى دول الشرق الأوسط وأفريقيا التي تشملها مبادرة «الحزام والطريق»، وعددها 17 دولة – هي: البحرين، والكويت، وقطر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وعمان، واليمن، وإيران، والعراق، وسوريا، ولبنان، وإسرائيل، والأردن، ومصر، وإثيوبيا، وجيبوتي، وكينيا – نجد أن هناك سبعة دول هي الأكثر عُرضة للوقوع في ضائقة ديون نتيجة التمويل الصيني – وفق دراسة نشرها مركز التنمية العالمية – هي: جيبوتي، ومصر، وإثيوبيا، والعراق، والأردن، وكينيا، بالإضافة إلى الدولة التي يضعها هذا التقرير على طاولة التحليل: لبنان.

مبادرة حزام واحد طريق واحد الصينية

خطط ومشاريع وبرامج صينية بملايين الدولارات تغطي كل لبنان

صحيحٌ أن دراسة مركز التنمية العالمية المنشورة في مارس (آذار) 2018 لم ترصد بدء أي مشاريع لمبادرة «الحزام والطريق» في لبنان. إلا أنّ مياهًا كثيرة مرَّت تحت الجسور منذ ذلك الحين؛ إذ أعلن الصينيون عن «خطط ومشاريع وبرامج؛ تبلغ تكلفتها ملايين الدولارات، وتطال كل لبنان، من البنى التحتية والأنفاق، إلى المرفأ والمطار، كما منطقة اقتصادية في البقاع، ومشاريع تتعلّق بالكهرباء والنفايات، ومشروع للمترو من بيروت إلى الشمال بـ200 مليون دولار»، حتى أن الصحافي اللبناني منير الربيع أعلن في مقالٍ نشرته جريدة المدن أن «الصين هي خلاص لبنان»!

ومن العروض التي قدمتها الصين تدشين «الأوتوستراد العربي» الذي يَصل العاصمة بيروت بدمشق، إضافةً الى مشروع سكة حديد موازية تربط بيروت بدمشق، ومن ثمَّ بخطّ الحرير وصولًا إلى الصين، ومشاريع لشَق أوتوسترادات من الشمال الى الجنوب، وإنشاء محطات بقوة حوالى ألف ميجاوات لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية، تؤمّن إنتاجًا شبه مجاني للكهرباء، مع وعد بالانتهاء منها في غضون ثمانية أشهر، إلى جانب اهتمام صينيّ خاص باستخراج الغاز البحري.

ومنذ مارس الفائت وقَعت 400 شركة صينية عقود إيجار لمدة 15 عامًا في مركز «كاسكادا مول» التجاري في البقاع الأوسط، على غرار المركز التجاري الصيني في دبي Dragon Mart، الذي يُعدّ أكبر سوق صيني خارج الأراضي الصينية.

وحصلت الشركات الصينية على عقود في ميناء طرابلس، تشمل بناء رصيف جديد بقيمة 58 مليون دولار، بالإضافة إلى تصنيع وتركيب ست رافعات جسرية. وهناك اقتراح بتوسيع ميناء طرابلس مقدم من شركة تشينغداو للمعدات الثقيلة، لكنه لا يزال قيد مراجعة الحكومة اللبنانية، إلى جانب العديد من الخطط الأخرى التي كُشِفَ عنها اللثام تباعًا طيلة الفترة الماضية.

«كلنّ يعني كلنّ».. ملف «ساسة بوست» عن تظاهرات لبنان

حين تدخل «العمولات» من الشباك تخرج «الشفافية» من أوسع الأبواب

صحيحٌ أيضًا أن معظم تلك المشاريع لم تنزل إلى أرض الواقع حتى الآن، لكنّ ذلك يرجع إلى سببين؛ أحدهما مُعلَن لكنه لا يمثل العقبة الأكبر، وهو: تَذَرُّع الحكومة اللبنانية بالمعارضة الغربية. والسبب الآخر – الأكثر جوهرية بحسب العديد من اللبنانيين أنفسهم – هو: تَمَنُّع الحكومة اللبنانية داخليًا، بسبب العمولات. ما يعني أنّ التأخير ليس بسبب خلافٍ على المبدأ، بل حول مقدار الربح المتوقع.

وحين تدخل العمولات من الشباك تخرج أشياء كثيرة من أوسع الأبواب؛ ليس أقلها الشفافية، التي تطرَّق إليها السفير الصيني حين سُئل في لجنة الشؤون الخارجية عن صحة رغبة بلاده بالعمل في مجال القطارات في لبنان، قائلًا: «نحن جاهزون عبر التمويل على المدى الطويل أو عبر الـ(BOT)». بمعنى آخر: «أعطوا صورة شفافة عن أنفسكم، ونحن جاهزون»، على حد قول إدمون ساسين، مراسل (LBCI) اللبنانية.

لكنّ الصين لا تيأس، وتمدُّ شباكها إلى كل زاوية، وصولًا إلى جيوب «حزب الله» – ولو عبر تواصل محدود – الذي له كلمة عند طرح مشاريع التلزيمات والاستثمارات للنقاش داخل الحكومة. وحتى «الجماعة المقاوِمة»، حين يمد إليها الصينيون أياديهم؛ يكثر الهمس عن «طمع» في نسبة العمولات المطروحة؛ على حد وصف الكاتب جوني منير في جريدة النشرة اللبنانية، وهو نفس ما اشتَكت منه إحدى شركات النفط الكبرى المهتمّة بالغاز البحري اللبناني.

ولضمان تقوية الشبكة التي تنسجها بكين، أرسل مسؤولو الحزب الشيوعي والشركات الخاصة نحو ستة وفود إلى لبنان منذ عام 2017، وهو اهتمامٌ وصفته ريا الحفار الحسن، وزيرة المالية اللبنانية السابقة، بأنّه «غير عادي». ناهيك عن تنمية القوة الناعمة الصينية في لبنان، من خلال معهد كونفوشيوس في جامعة بيروت وبرنامج الدراسات الصينية في جامعة لبنانية أخرى. حتى أطفال لبنان، ليسوا خارج تغطية الرادار الصيني، إذ شاركوا في مسابقةِ غناءٍ صينية حكَّم فيها السفير الصيني شخصيًا.

وبالنظر إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين، يقول الخبراء الذين نقلت «فاينانشال تايمز» آراءهم: «إن اهتمام بكين يرتكز الآن على ضمان عائد صحي من المشروعات الخارجية». وهذا يعني أن العمولات التي يأمل الفاعلون اللبنانيون في الحصول عليها من وراء المشروعات الصينية لابدّ وأن تقابلها أرباحٌ مضاعفة تدخل خزينة بكين، وإلا فإن الحزب الشيوعي ليس بحاجة إلى إخبار الحالمين في لبنان بأنه ليس جمعية خيرية.

بكلماتٍ أوضح صاغتها إليانا إبراهيم، رئيسة الجمعية العربية – الصينية لتشجيع التبادل الثقافي والتجاري، التي انتقلت من بكين إلى بيروت قبل أكثر من عقد وتقدِّم المشورة للمستثمرين الصينيين المحتملين: «لم يعد الصينيون أغبياء.. الأمر الآن ليس كما كان من قبل: حسنًا، أنت تقترح شيئًا، والصينيون يستثمرون دون تفكير. الحكومة الصينية الآن تريد أن ترى أرباح استثماراتها».

علاقات اقتصادية غير متكافئة

حين تكون دولة بحجم الصين ثاني أكبر شريك تجاري للبنان، يحقُّ لبيروت أن تفخرَ، لولا أنّ الميزان التجاري يميل جدًا – بل يطيش – ناحية بكين؛ إذ يستورد لبنان بضائع تقدَّر قيمتها بأكثر من ملياري دولار من الصين، تشمل الآلات والمعدات الكهربائية والبلاستيك والأثاث والمركبات، بينما تُصَدِّر لبنان منتجات لا تزيد قيمتها على 60 مليون دولار فقط، تشمل النحاس، والبلاستيك، والمشروبات، والكاكاو، وفق الأرقام الصادرة عن الجمارك اللبنانية، وأكدها تصريح وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني منصور بطيش.

الصادرات الصينية إلى لبنان.

وعلى الرغم من محدودية العلاقات الاقتصادية بين الصين ولبنان، مقارنةً بدول الشرق الأوسط الأخرى، شهدت التعاملات التجارية بين بكين وبيروت بعض النمو الملحوظ في السنوات الأخيرة. ففي عام 2013، أصبحت الصين المصدر الرئيس للبضائع التي يستوردها لبنان، وارتفع حجم التجارة بين البلدين بشكل كبير في العقد الماضي.

إجمالًا تبلغ قيمة الصادرات اللبنانية في العموم حاليًا 5 مليار و113 مليون دولار، غالبيتها من المجوهرات، والمعادن الأساسية، والمواد الكيميائية، والسلع الاستهلاكية المتنوعة، والفواكه، والخضروات، والتبغ، ومعادن البناء، وآلات الطاقة الكهربائية، ومفاتيح الكهرباء، وألياف النسيج، والورق.

ويشتهر لبنان أيضًا بصادرات المنتجات الزراعية، التي يسهم فيها سهل البقاع الخصب بنصيبٍ وافر، خاصة الحمضيات، والعنب، والطماطم، والتفاح، والخضروات، والبطاطا، والزيتون، والتبغ، والأغنام، والماعز. والدول الرئيسة التي تصدر إليها لبنان منتجاتها هي: سوريا (24.9٪ من الصادرات)، الإمارات العربية المتحدة (12.9٪)، سويسرا (6.6 ٪)، المملكة العربية السعودية (6.1٪)، وتركيا (4.2٪).

في المقابل يستورد اللبنانيون سلعًا وخدمات تبلغ قيمتها حاليا 15.78 مليار دولار، أي حوالي ثلاثة أضعاف صادراتهم، بسبب مزيج من محدودية القدرة التصنيعية، وعدم اليقين الذي يعوِّق التخطيط للمستقبل، ونقص الموارد.

والسلع الأساسية التي يستوردها لبنان هي: المنتجات البترولية، والسيارات، والمنتجات الطبية، والملابس، واللحوم، والحيوانات الحية، والسلع الاستهلاكية، والورق، والأقمشة النسيجية، والتبغ، والآلات والمعدات الكهربائية، والكيماويات.

والمُصَدِّرون الرئيسون للبنان قبل 2011 هم: سوريا (10.5٪ من الواردات) ، فرنسا (9.5٪)، الولايات المتحدة (9.3٪)، إيطاليا (7.3٪)، الصين (6.8٪)، ألمانيا (4.9٪)، المملكة العربية السعودية (4.8٪)، وتركيا (4.2٪).

لكنّ التجارة اللبنانية تعاني من خللٍ كبير. ونظرًا لأن لبنان يفتقر إلى الموارد الطبيعية وقطع غيار الآلات، فإنه يعتمد اعتمادًا كبيرًا على واردات المواد الخام، وبالتالي يواجه اختلالًا خطيرًا يؤدي إلى الاقتراض. إذ أدّت الواردات اللبنانية إلى رفع الدين الوطني إلى 4 مليار و34 مليون دولار في عام 2010 من 3 مليار و682 مليون دولار في عام 2009، ومليارين و987 مليون دولار في عام 2008.

وقد أدّت الحروب مع إسرائيل والاشتباكات الطائفية وعدم الاستقرار السياسي إلى جعل قطاع التصنيع ضعيفًا وأقلَّ إنتاجية؛ لذلك كانت الصادرات منخفضة للغاية مقارنة بواردات البلاد المتزايدة، فيما يقدر معدل النمو الصناعي في لبنان حاليا بـ2٪.

لبنان.. بوابة الصين إلى «كعكة إعادة إعمار» سوريا

يضع بعض الخبراء التحركات الصينية في لبنان في إطار الجهود التي تبذلها بكين للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، والتي تُقَدّر الأمم المتحدة تكلفتها بـ250 مليار دولار أمريكي. ولأنّ بكين لم تكن طرفًا نشطًا في النزاع السوري، استطاعت إقامة علاقات دبلوماسية مع دمشق. وبينما أغلقت الدول الغربية سفاراتها في سوريا، بقيت السفارة الصينية بطاقمها الذي يضم حوالي 80 شخصًا.

كما وقّعت الصين والنظام السوري اتفاقيات تعاون تجارية، وشاركت الشركات الصينية في معرض دمشق الدولي الصيف الماضي. وتفاخرت وسائل الإعلام الحكومية السورية أن الصين منحت 800 محوِّل كهربائي لسوريا، وأن الفريق الوطني السوري لكرة السلة قد تدرّب في الصين.

وبينما يستعيد نظام بشار الأسد السيطرة على مساحة كبيرة من الأراضي السورية، ويتطلَّع إلى إعادة بناء المدن المدمَّرة، يريد لبنان الذي يعاني من ضائقةٍ مالية الاستفادة من هذه الكعكة المربحة، وتُسَوِّق طرابلس، الواقعة على بعد 35 كم من الحدود السورية، نفسها باعتبارها مركزًا لوجستيًا لإعادة الإعمار.

وبالنظر إلى رفض النظام السوري التدخُّل الأوروبي والأمريكي في إعادة الإعمار، ولأن دول الخليج الغنية بالنفط لا تزال بعيدة عن الطاولة، ونتيجة تضرر الاقتصاد الروسي والإيراني من العقوبات؛ تعتبر الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، هي المستثمر الكبير الأكثر واقعية، حسبما ورد في التقرير الذي نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» مطلع العام الجاري.

وعادة ما تشترط بكين أن تقوم الشركات الصينية ببناء البنى التحتية التي تمولها، مستفيدة من الخبرة التي استفادتها في دول الشرق الأوسط التي مزقتها الحرب. وحول هذه النقطة تحديدًا، يلفت بول هينل، المدير سابق لدائرة الصين في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض ومدير مركز كارنيجي – تسينغهوا في بكين، إلى أنّ الصين ستوظِّف هذه الخبرة في إعادة إعمار سوريا، مستشهدًا بعقود البنية التحتية المربحة التي أبرمتها الشركات الصينية في فترة ما بعد الحرب في العراق، وأثارت غضب المسؤولين الأمريكيين.

عندما يتعلق الأمر بإعادة إعمار سوريا، تعتقد طرابلس أن بإمكانها لعب دور لوجستي. وقد استشرف الصينيون ذلك حتى قبل أن يراه اللبنانيون أنفسهم، باعتراف ريا الحفار الحسن، وزيرة المالية اللبنانية السابقة ورئيسة مجلس إدارة الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس.

منافع متبادلة.. أم استثمار صيني في أزمات لبنان؟

مما لا شكّ فيه، أن جزءًا مهمًا آخر من التعاون بين الصين ولبنان هو: الجانب العسكري؛ ففي حين رسَّخت بكين مؤخرًا موطئ قدم عسكري في بلدان الشرق الأوسط الأخرى، إلا أنّ لديها تاريخٌ طويل نسبيًا من الارتباط العسكري مع لبنان. على سبيل المثال، خلال الحرب الإسرائيلية – اللبنانية عام 2006، نشرت بكين عددًا من قواتها لحفظ السلام، وسلَّمت لبنان أسلحة صينية.

تعززت أيضًا جوانب أخرى من العلاقة بين البلدين؛ فمنذ توقيع اتفاق السياحة في عام 2005، زاد عدد السياح بين البلدين بشكل كبير، حيث يزور الصين حوالي 10 آلاف لبناني كل عام. علاوة على ذلك، هناك حركة متزايدة للأشخاص بين البلدين لحضور الندوات والمؤتمرات من مختلف القطاعات بما في ذلك الزراعة والمالية والاقتصاد والإعلام والتعليم. بالإضافة إلى شراكات أخرى في مجالات الطب الصيني والبنية التحتية والتعليم. وقبل ذلك وبعده، تأتي المساعدات التي تقدمها الصين لتكون بمثابة مظلة حامية لهذه العلاقة غير المتوازنة.

لكن بالنسبة للبنان، فإن وجود ارتباط قوي مع الصين، وهي قوة اقتصادية لها تاريخ غير عدائي حتى الآن في المنطقة، وعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يوفر لها بديلًا مفيدًا في عالم اليوم المتقلِّب. وبالنظر إلى التهديد المستمر لاستقرار  البلد والمنطقة، قد يلجأ لبنان مرة أخرى إلى الصين للحصول على المساعدة الأمنية. كما أن موطئ قدم الصين الاقتصادي القوي يتيح للبنان الوصول إلى الاستثمارات الأجنبية التي تشتد الحاجة إليها، ويسمح لها بالحصول على المساعدات المالية بشروطٍ أكثر ودية، حسبما يلفت الباحث في الشؤون الدولية، محمد ذو الفقار رحمت، في مجلة «ذا دبلومات».

في الوقت ذاته، وعلى الرغم من أن لبنان يمتلك موارد طبيعية ضئيلة مقارنة بالبلدان الأخرى في المنطقة، إلا أن تقوية العلاقات مع لبنان يوفر للصين فرصة لتوسيع أسواق التصدير، ويعزز أهداف السياسة الخارجية الأوسع التي تنتهجها بكين في منطقة الشرق الأوسط.

«فخ الديون».. هل «التنين الصيني» لا يرحم فعلا؟

صحيح أن الحزب الشيوعي ليس جمعية خيرية، والشركات الصينية ليست «بابا نويل» الذي يوزِّع الهدايا بدون مقابل، لكن أيضًا ليست الصورة التي ترسمها الولايات المتحدة للصين دقيقة، خاصة ما يتعلق بالحديث عن «التنين الصيني الذي يحرق ضحاياه ويتركهم رمادًا، بعد إغرائهم بالسقوط طوعًا في فخ الديون».

والدليل أن البلدان النامية أعادت التفاوض بشأن حوالي 50 مليار دولار من القروض الصينية في العقد الماضي، ما تمخَّض عن «تمديد أجل السداد، وإعادة التمويل، في معظم الحالات، وفقًا لبحثٍ يتحرّى الاتهامات الغربية للصين بنصب «فخ ديون» للدول عبر القروض السخية».

وخلُصَت الدراسة التي أجرتها مجموعة روديوم، ونشرت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية نتائجها في أبريل (نيسان) الماضي، إلى أن استيلاء بكين المباشر على أصول الدول المَدينة لم يحدث إلا في حالة ميناء هامبانتوتا بسريلانكا في عام 2017.

على عكس الشائع، أظهر الفحص الذي أجري على 38 عملية إعادة تفاوض بشأن الديون الصينية مع 24 دولة خلال العقد الماضي، أن الرافعة المالية الصينية لا تزال محدودة، وأن العديد من عمليات إعادة التفاوض تمخضت عن نتائج لصالح الدول المقترضة: شطب الديون في 14 حالة، والتأجيل في 11 حالة، وإعادة التمويل وتغيير مدة الدين في معظم الحالات الأخرى. ناهيك عن أكثر من 20 حالة من حالات الإعفاء من الديون التي استبعدتها الدراسة نظرًا لعدم الكشف عن شروطها.

لكن كي تكتمل الصورة، جديرٌ بلبنان أن يضع في الحسبان بعض الحقائق الأخرى التي رصدتها دراسة مركز التنمية العالمية: فربما تشطب الصين بعض ديونها أو حتى تُسقِطها كلها، لكنها غالبًا تأخذ شيئًا في المقابل، سواء كان ذلك ألف و158 كيلو متر مربع من الأراضي المتنازع عليها من طاجيكستان في عام 2011، أو عقد إيجار مدّته 99 عامًا لإدارة ميناء هامبانتوتا السريلانكي، أو حتى تقوية نفوذها داخل الدولة تمهيدًا لجني مكاسب أخرى مستقبلية ربما أكبر.

المصادر

عرض التعليقات