«من يأتي متأخرًا تعاقبه الحياة». كانت هذه أحد أهم المقولات في حقبة الحرب الباردة، ولخص بها الرئيس السوفيتي آنذاك، ميخائيل جورباتشوف، سقوط جدار برلين في نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، والذي كان بدوره علامة على نهاية الصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي بانتصار الأول.

وبعد 30 عامًا، وبالتحديد في ذكرى سقوط الجدار، وجه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، انتقادات حادة لحلف شمال الأطلسي «ناتو»، قائلًا إنه في حالة «موت سريري»؛ ما يعني أنه فهم كلمات جورباتشوف، ويخشى من نهاية صادمة للحلف، تشبه ما حدث في جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية).

«ناتو» و«وارسو».. سياق مختلف وهدف واحد

في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، كان القلق هو الشعور السائد في أوروبا الغربية. سواء كان إزاء الأمن أو المستقبل السياسي والاقتصادي، فقد دفعت الحرب الأهلية في اليونان (1946 – 1949)، ومحاولة الاتحاد السوفيتي استقطاب تركيا للمعسكر الشرقي الذي كان يقوده الرئيس الأمريكي آنذاك هاري ترومان إلى تقديم حزمة مساعدات اقتصادية وعسكرية للبلدين، وأي دولة أخرى ترفض الخضوع لموسكو، فيما عرف بـ«خطة مارشال».

وفي الفترة ذاتها دفع الانقلاب الذي رعته موسكو في تشيكوسلوفاكيا السابقة، إلى وصول حكومة شيوعية للسلطة، وتحقيق الحزب الشيوعي مكاسب انتخابية في إيطاليا، وحصار السوفيت لبرلين الغربية عام 1948؛ في أزمة كادت تؤدي لحرب بين المعسكرين الشرقي والغربي.

ومن ثم فكرت إدارة ترومان في تشكيل تحالف أوروبي أمريكي، يُلزم الولايات المتحدة بتعزيز وحماية أمن أوروبا الغربية. وبالفعل تشكل التحالف بتوقيع معاهدة واشنطن عام 1949 تحت اسم «ناتو»، وضم عددًا من دول أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية لتوفير الأمن الجماعي للأعضاء ضد الاتحاد السوفيتي. 

وكان هدف حلف الناتو بشكل أساسي هو حماية دول الحلف بكافة الوسائل السياسية والعسكرية. ووافقت الدول الأعضاء بموجب معاهدة واشنطن، على أن الهجوم على إحداها يعني هجومًا على الجميع، ويتطلب ردًا جماعيًا في إطار الحلف. لكن مبدأ الدفاع الجماعي لا ينطبق إلا إذا وقع الهجوم في أوروبا أو أمريكا الشمالية، ولا يشمل الصراعات في المناطق الاستعمارية.

وفي عام 1955 أدى انضمام ألمانيا الغربية لـ«الناتو»، إلى إبرام الاتحاد السوفيتي معاهدة تأسيس حلف وارسو مع عدد من الدول الشيوعية التابعة له في شرق أوروبا، وبات العالم مقسمًا بين «ناتو»، و«وارسو».

توسع في العضوية.. وفي الخلافات الداخلية أيضًا

بصفة عامة تشغل 29 دولة عضوية حلف شمال الأطلسي في الوقت الحالي، بينها 12 دولة أسست الحلف عام 1949. وهي الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وبلجيكا، وكندا، والدنمارك، وفرنسا، وآيسلندا، وإيطاليا، وهولندا، ولوكسمبورج، والنرويج، والبرتغال.

وفي 1952 انضمت تركيا واليونان، وتبعتهما ألمانيا في 1955. وفي 1982، انضمت إسبانيا، ثم التشيك، والمجر، وبولندا في 1999. أما في عام 2004، انضمت كل من بلغاريا، وإستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، ورومانيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا. 

وفي 2009 انضمت كرواتيا وألبانيا. وكانت دولة الجبل الأسود (مونتينيغرو) آخر دولة انضمت للحلف في 2017. وعضوية الحلف مفتوحة أمام أي دولة أوروبية يمكن أن تساهم في تعزيز مبادئه والمساهمة في تحقيق أمن دوله.

ورغم اتساع عضوية حلف «ناتو»، وإنفاقه ما يقرب من 46 مليار دولار أمريكي على تعزيز قدراته، ومهامه الخارجية، ومنها مهمة حفظ الأمن وتدريب القوات في أفغانستان، ومهمة تدريب قوات الأمن العراقية، خلال السنوات الثلاث الماضية؛ فإنه يواجه وضعًا صعبًا، واتهامات بفقدانه قدرته على الفعل. 

وخلال حملته الانتخابية في 2015، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حلف «ناتو» في أكثر من خطاب بأنه «عفا عليه الزمن». وبعد وصوله للسلطة، لم يتغير الأمر، بل أنه اقترح في أكثر من مناسبة، انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، وأخبر مجلس الأمن القومي في يوليو (تموز) 2018 أنه يعتقد أن الحلف يستنزف موارد الولايات المتحدة.

وخلال خطاباته في الأعوام الثلاثة الماضية، انتقد ترامب حكومات الدول الأوروبية؛ لأنها لا تشارك بما يكفي في ميزانية الحلف تاركة الولايات المتحدة لتحمُّل عبء كبير. 

هذه الرغبة الملحة والانتقادات المتكررة، أثارت مخاوف في أروقة مجلس الأمن القومي الأمريكي وداخل الحلف. وقال مسؤول رفيع المستوى في دولة شريكة لحلف الناتو لشبكة «سي إن إن» بأن المسؤولين في الحلف بذلوا قصارى جهدهم خلال 2018، لإقناع ترامب بالبقاء ملتزمًا بالتحالف التاريخي.

ويكمن الخلاف الرئيس بين ترامب والدول الأوروبية، في أن أعضاء الناتو تعهدوا في قمة ويلز عام 2014، بزيادة الإنفاق العسكري لكل دولة إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي. في محاولة لتقريب مساهمات الدول الأعضاء، وحتى لا تكون دولة واحدة، هي الولايات المتحدة، الأكثر إنفاقًا.

وبعد خمس سنوات من القمة، لا يزال إنفاق الدول الأوروبية أقل بكثير من 2% من الناتج المحلي الإجمالي، فدولة مثل ألمانيا لا تنفق سوى 1.36% من ناتجها المحلي على الدفاع.

مجرد «ظل».. وضع حلف «الناتو» الراهن

في مقال بمجلة «دير شبيغل» الألمانية ذائعة الصيت، كتب يورغن تريتن، خبير الشؤون الخارجية ونائب البرلمان عن حزب الخضر (يسار) إن الناتو في وضعه الحالي بات مجرد «ظل» لما كان عليه الحلف في العقود الماضية.

مضيفًا أن «الرئيس الفرنسي على حق، فالحلف بالفعل في حالة موت سريري». ويضيف «كيف يكون الحلف قويًا، والولايات المتحدة، صاحبة أقوى اقتصاد وجيش فيه، تصف السيارات المستوردة من عضو آخر، وهو ألمانيا، بأنها تهديد لأمنها القومي، وكيف يكون الحلف قويًا، ودولة عضو مثل تركيا، تعتدي بشكل متكرر على دولة أخرى، في انتهاك واضح للقانون الدولي».

ويمضي قائلًا «لم يعد بإمكاننا دفن رؤوسنا في الرمال، فالحقيقة واضحة للعيان، والناتو لم يعد قادرًا على حماية المصالح الأساسية لأعضائه؛ لأن هذه المصالح باتت متعارضة بشكل كبير».

وضرب تريتن مثالًا بالاتفاق النووي الموقع في 2015 الذي قوضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل سريع، ودون أي تصويت داخل «الناتو»، ودون مراعاة لمصالح الدول الأخرى. وفتح تقويض الاتفاق النووي مع إيران، الباب أمام سباق تسلح نووي محتمل في الشرق الأوسط، وهو أمر يضر بالمصالح الأوروبية في المنطقة، وفق تريتن.

أما الكاتبة الألمانية البارزة كرستينا هوفمان، فقالت «من واقع حديثي مع المسؤولين في حلف «ناتو»، فإن 90% من تركيز الحلف لا يزال ينصب على روسيا»، مضيفة «هذا التركيز الكبير على خصم الحرب الباردة، عفا عليه الزمن بالفعل».

وتابعت «لا يعطي الحلف اهتمامًا كبيرة للتهديدات الأخرى لأمن أوروبا. وبالنسبة للقارة، فإن التطورات في مصر، ولبنان، والعراق، وإيران، والخليج العربي، تعد أكثر خطورة عليها»، موضحة «لقد تغيرت منظومة الأمن الأوروبية، وتبدلت التهديدات، لكن الحلف لم يتغير».

وفي الوقت نفسه ينشأ جيل في الولايات المتحدة لا يعرف شيئًا عن الحرب الباردة، ويصعب عليه فهم لماذا يخاطر جنود أمريكيين بحياتهم من أجل أمن لاتفيا على سبيل المثال، وهذا الجيل سيصل للسلطة في المستقبل المنظور، وفق الكاتبة الألمانية التي أضافت «تحليل ماكرون سليم، والحلف عاجز عن الفعل والتأثير».

ماذا بعد انهيار «الناتو»؟

«إذا كان حلف «ناتو» لا يحقق ولا يحمي مصالح أوروبا، بل إن دول أعضاء فيه باتت تضر بالمصالح الأوروبية بشكل علني، فإن ألمانيا باعتبارها القوة الاقتصادية الأكبر أوروبيا، عليها تحمل مسؤولياتها»، وفق تريتن.

ولا يعني هذا استبدال السياسية بالقوة العسكرية، بل بوضع إستراتيجية مرنة للسيادة الأوروبية، وهذا يعني أولًا وقبل كل شيء، تعزيز نقاط القوة في أوروبا. وبالنسبة لأوروبا، فإن تعزيز نقاط قوتها هو بالأساس قضية سياسية واقتصادية أكثر منها عسكرية؛ فدول القارة مطالبة بالرد على الأحادية الأمريكية وتأسيس «اليورو» كعملة احتياط عالمية، وهذه هي الطريقة الوحيدة لتعزيز الدور الأوروبي دوليًا، حسب السياسي الألماني.

ولفت ترتين إلى أن الدول الأوروبية مطالبة بتوحيد مواقفها وسياستها الخارجية تحت لواء الاتحاد الأوروبي، وتعزيز قدرتها على التدخل مدنيًا وعسكريًا في الأزمات الإنسانية، والنزعات المسلحة في الجوار الأوروبي.

بدوره قال أورليش براند، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة فيينا النمساوية، إن «ديناميات وآليات عمل حلف ناتو، لم تتغير بشكل كبير منذ تأسيسه، مثلها مثل نطاق تركيزه الرئيس، وهو روسيا».

وتابع «هذا سبب الأزمة الراهنة في الحلف، فالسياق الدولي، ونمط العلاقات، وطبيعة المصالح تخطت الحلف بشكل كبير»، مضيفًا: «كما أن مصالح الدول الأعضاء في الحلف باتت متعارضة أكثر من أي وقت في تاريخه».

ومضى قائلًا «فشل الحزب في تجاوز الخلافات الراهنة، وتوفيق مصالح أعضائه المتعارضة، سيسرع من عملية انهياره خلال الفترة المقبلة، ويمكن بالفعل أن نرى قريبًا عالم بلا ناتو».

براند قال أيضًا «الحلف والدول الأعضاء مطالبين بصياغة أهداف جديدة تتماشى مع المصالح الحالية لهم، وتخفيف التركيز المبالغ فيه على روسيا، وتنويع آليات العمل حتى لا تقتصر فقط على القوة العسكرية، وتعطي مساحة أكبر للسياسة، والدبلوماسية، والمساعدات، والمنح الاقتصادية».

وفي حال انهيار الحلف فإن براند يتوقع ارتباكًا قصيرًا في السياسة الدولية، وتغير في شكل القوى المؤثرة عالميًا.

وأوضح «سيطور الاتحاد الأوروبي من أدواته لا محالة، ويقطع أشواطًا كبيرة نحو الاندماج العسكري، بما فيه تشكيل قوة عسكرية أوروبية مشتركة، وتخصيص ميزانية موحدة للدفاع، فضلًا عن توحيد السياسة الخارجية الأوروبية».

وبرر أستاذ العلاقات الدولية ذلك بأن «أوروبا ستكون مطالبة بالدفاع عن أمنها ومصالحها، بعد عقود من الاعتماد على الولايات المتحدة وناتو».

أما العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فستعاني توترًا كبيرًا بعد انهيار الحلف، وسيتحول نمط العلاقة للتنافس بمرور الوقت، وهو ما يمكن تسميته بالتنافس العابر للأطلسي، وفق براند الذي أضاف «سيصبح الطرفان بالإضافة للصين وروسيا، القوى الأكثر تأثيرًا في السياسة الدولية في عالم ما بعد ناتو».

«واشنطن بوست»: كيف استمر الناتو متماسكًا لـ70 عامًا؟ وما خططه في 2019؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد