«ما بعد جائحة كورونا ليس كما قبلها»، تُثبَت هذه العبارة كل يوم حول العالم في كل المجالات تقريبًا؛ الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فقد فرضت جائحة كورونا واقعًا جديدًا لم تعتده البشرية في العصر الحديث، بل وصل الأمر إلى خلق مصطلحات جديدة في مفردات البشر اليومية.

أحد هذه المصطلحات الجديدة والذي يرتبط بظاهرة لم يعتدها الناس هي «إجهاد الزووم»، والزووم هنا يقصد به برنامج وتطبيق «zoom» الشهير الذي يُجرى من خلاله الاجتماعات ومؤتمرات الفيديو عبر الإنترنت.

ففي نهاية عام 2020، حصل تطبيق «زووم» على لقب تطبيق العام من شركة أبل، كونه كان التطبيق الأكثر تحميلًا من متجر «App store»، الأمر الذي يعود إلى عمليات الإغلاق والحظر الواسعة التي شهدها العالم، ولا يزال، والتي جعلت عددًا كبيرًا من الموظفين يديرون وظائفهم وأعمالهم من المنزل، ما جعل «زووم» جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية.

لكن، وكما أن تناول الطعام أو الدواء بشكل زائد يسبب آثارًا جانبية ضارة، فإن لاستخدام هذا التطبيق بشكل مستمر ويومي من أجل الاجتماعات والمؤتمرات آثارًا جانبية غير محببة، لكننا لن نكتفي في هذا التقرير بتعريف «إجهاد الزووم»، بل سنأخذ خطوة متقدمة لتوضيح كيف يؤثر هذا النوع من الإجهاد في صحتنا، والأهم، توضيح بعض الخطوات التي تساعدنا على التقليل من آثاره.

ما هو «إجهاد الزووم»؟

يصف «إجهاد الزووم» حالة التعب أو القلق أو الإرهاق المرتبطة بالإفراط في استخدام منصات الاتصال الافتراضية مثل تطبيق «زووم». وقد لاحظ المختصون بالفعل انتشار هذا النوع من الإجهاد على نطاق واسع ومكثف وجديد تمامًا منذ بدايات عمليات الإغلاق بسبب انتشار فيروس كورونا في بداية عام 2020.

Embed from Getty Images

بالطبع، لا يتعلق هذا بتطبيق «zoom» فقط، لكنه مرتبط بأي من تطبيقات التواصل الأخرى مثل «Google Hangouts» أو «Skype» أو «FaceTime» أو أي واجهة أخرى للاتصال عبر الفيديو. ونتيجة للاستخدام الواسع والمكثف لهذه التطبيقات، زادت ملاحظات العلماء لهذه الفكرة: التفاعلات الافتراضية عبر هذه التطبيقات يمكن أن تكون صعبة وشديدة التأثير للغاية في الدماغ.

4 أسباب رئيسية تسبب «إجهاد الزووم»

واحدة من الدراسات الحديثة التي نشرت في مجلة «journal Technology, Mind and Behavior» في فبراير (شباط) 2021، حددت أربعة أسباب رئيسية تجعل محادثات الفيديو تصيب مستخدميها بالتعب والإجهاد:

1. تواصل بصري بشكل مبالغ فيه.. الكل يحدق فيك!

بشكل عام، فإن مقدار التواصل بالعين الذي ننخرط فيه خلال محادثات الفيديو، وكذلك حجم الوجوه على الشاشات أمر غير طبيعي. في الاجتماعات العادية، سينظر الناس بطرق مختلفة إلى المتحدث أو سيدونون الملاحظات أو ستشغلهم أمور ما وسط الاجتماع. لكن في مكالمات «Zoom»، ينظر الجميع إلى الجميع طوال الوقت.

وحتى لو لم تتحدث مرة واحدة في الاجتماع، فأنت ما زلت تنظر إلى الوجوه التي تحدق فيك، وبالتالي تزداد كمية التواصل بالعين كثيرًا. وتجدر الإشارة إلى أن القلق الاجتماعي من التحدث أمام الجمهور هو أحد أكبر أنواع الرهاب الموجودة بين البشر، لذلك عندما يحدق بك الجميع على «zoom» تصبح التجربة مرهقة.

أضف إلى هذا أنه عند استخدام شاشات كبيرة لعقد اجتماع الزووم، تبدو صور الوجوه كبيرة بشكل مبالغ مما يشكل ضغطًا إضافيًّا، أما على شاشات الهواتف، فعندما يكون وجه شخص ظاهرًا بكامل حجم الشاشة وقريبًا جدًّا من وجوهنا، فإن أدمغتنا تفسره على أنه موقف قوي لا يبعث على الراحة، وبالتالي تصبح أدمغتنا في حالة إثارة مستمرة.

Embed from Getty Images

2. رؤية نفسك باستمرار.. أنت المؤدي على المسرح والمتفرج أيضًا!

تعرض معظم منصات الفيديو مربعًا لما تبدو عليه صورتك أثناء الاجتماعات، ما يجعلك ترى نفسك طوال الوقت. تخيل أن تسير في الشوارع وتتحدث للناس وأمامك مرآة ترى فيها نفسك باستمرار، قد يسبب هذا حالة من الجنون. كذلك، تشير دراسات سابقة إلى أنه عندما ترى انعكاسًا لنفسك، تُصبح أكثر انتقادًا لنفسك، وهذا أمر مرهق بالتأكيد.

3. تقليل القدرة على الحركة.. أنت رهن المكان!

تسمح المحادثات الهاتفية الصوتية للبشر بالتجول والتحرك أثناء تلقيها. لكن مع اجتماعات الفيديو، تتمتع معظم الكاميرات بمجال رؤية محدد، مما يعني أن الشخص يجب أن يبقى في المكان نفسه بشكل عام. كما أننا غالبًا ما نظل في المكان نفسه أثناء مكالمات الفيديو لارتباطنا بالمكتب أو الطاولة التي نضع عليها الهاتف. الأبحاث تشير هنا إلى أنه عندما يتحرك الناس، فإن أداءهم الإدراكي يكون أفضل.

4. زيادة العبء المعرفي.. المجهود الذهني يستهلك طاقتك!

في التفاعل المنتظم وجهًا لوجه في الحياة الطبيعية، يكون التواصل غير اللفظي أمرًا طبيعيًّا تمامًا، فكل واحد منا يرسل بشكل طبيعي إيماءات وإشارات غير لفظية ويفسرها دون وعي. لكن في محادثات الفيديو، يكون علينا أن نعمل بجدية أكبر لإرسال الإشارات التي نريدها واستقبالها.

على سبيل المثال، في مكالمات الفيديو يكون علينا التأكد من أن الرأس مرفوعة وظاهرة في منتصف الفيديو، وإذا أردت إظهار اتفاقك مع شخص ما، فعليك أن ترسل إيماءة مبالغًا فيها أو أن ترفع إبهامك. كما أن عليك أن تعمل بجدية أكبر لقراءة تعابير وجه الأشخاص من خلال شاشة الكمبيوتر. كل هذا يضيف عبئًا معرفيًّا لأنك تستخدم سعرات حرارية أكبر من خلال المجهود الذهني.

Embed from Getty Images

وهناك أيضًا أسباب أخرى

بجانب ما ذكرته الدراسة، هناك بعض الأسباب الأخرى التي توصل لها الخبراء وتساهم في زيادة الإحساس بـ«إجهاد الزووم»، مثل زيادة الضغط نتيجة الاضطرار إلى تجهيز نفسك ومنزلك فجأة لاجتماع غير متوقع، وهو ما يواجه الكثير من الموظفين. كذلك فظهور أجزاء صغيرة من حياتك المنزلية أثناء الاجتماعات، وما يترتب عليها من الشعور ببعض الإحراج، يسبب إرهاقًا إضافيًّا.

مشكلات وأعراض إجهاد الزووم

الإرهاق القائم على العمل يتسبب في تأثيرات مختلفة في الصحة الجسدية والعقلية. تشمل الأعراض والتوابع الرئيسية لهذا الإرهاق ما يلي:

1- الشعور باللامبالاة والإرهاق بشكل عام وانخفاض أداء العمل.

2- النسيان وصعوبة التركيز.

3- صعوبة الحفاظ على العلاقات وصعوبة الوجود مع الأحباء بأريحية.

4- الإحباط والتشنج في التعامل مع زملاء العمل.

5- توتر وألم العضلات والأرق.

والنساء أكثر عرضة لهذا النوع من الإجهاد

أحدث الدراسات في هذا الإطار ظهرت في أبريل (نيسان) 2021 بموقع «Social Science Research Network» المتخصص، وأوضحت أن تأثير «إجهاد الزووم» كان أكثر في النساء مقارنة بالرجال. في هذه الدراسة، أفادت واحدة من كل سبع نساء (13.8%) بأنهن يشعرن بالتعب الشديد بعد مكالمات «Zoom»، مقارنة بحوالي واحد من كل 20 رجلًا (5.5% فقط).

كما ظهر أن النساء يشعرن بمزيد من الوقوع في فخ الاضطرار إلى البقاء في مجال رؤية الكاميرا، ويميلون إلى عقد اجتماعات أطول من الرجال في المتوسط​​، وعادة ما يأخذون فترات راحة أقل. ربما نعزي هذا الاختلاف إلى طبيعة الاختلافات في مستويات الشعور بالتعب بين الرجال والنساء، لكن هذا ليس السبب الوحيد.

Embed from Getty Images

فقد أظهرت أبحاث سابقة أن النساء أكثر عرضة للتركيز على أنفسهن عند النظر في المرآة، وشاشة الهاتف وظهور صورة المرأة عليها خلال الاجتماعات تعطي تأثيرًا مشابهًا؛ مما يؤدي إلى زيادة الوعي الذاتي بالمظهر، والذي يمكن أن يؤدي إلى نشأة أفكار سلبية تستهلك عقل المرأة أكثر.

ووجد الباحثون في تلك الدراسات أيضًا أن الشخصية والعمر والعرق يلعبون دورًا في مقدار التعب الذي قد تشعر به عند التواصل بالفيديو. فالانطوائيون والشباب والأفراد الأكثر قلقًا والأشخاص الملونون يشعرون بمستويات أعلى من «إجهاد الزووم».

لكن.. كيف تتجنب إجهاد الزووم؟

لا توجد حلول سحرية وجذرية هنا بالتأكيد، فالحل الجذري هو التوقف عن استخدام مكالمات الفيديو، وهو أمر يكاد يكون مستحيلًا هذه الأيام في ظل العمل من المنزل وعمليات الإغلاق والتفشي المتزايد لفيروس كورونا. لكن هناك بعض الحلول الجزئية التي تساعدك على تقليل إجهاد الزووم:

1- استخدم خيار تصغير ملء الشاشة وتقليل حجم نافذة «Zoom» بالنسبة لشاشة الهاتف، لتقليل حجم الوجه.

2- استخدم خاصية «إخفاء العرض الذاتي»، والذي يعمل على عدم ظهور صورتك على الشاشة خلال الاجتماعات.

3- اخلق مساحة أكثر مرونة عبر استخدام لوحة المفاتيح الخارجية أو الكاميرا الخارجية البعيدة عن الشاشة، كما يمكنك وضع بعض الأوراق الفارغة أمامك تستخدمها في الرسم وما شابه تمامًا كما نفعل في الاجتماعات الحقيقية عندما نستغرق في التخطيط بالقلم دون هدف.

4- استغن عن الفيديو طالما لا يوجد داعي لظهور صور الأشخاص، فبعض الاجتماعات يمكن أن تسير جيدًا عبر الصوت فقط.

5- خلال فترات الاجتماعات الطويلة، امنح نفسك استراحة «صوت فقط»، عبر غلق الكاميرا مؤقتًا. الأمر لا يتعلق بإيقاف تشغيل الكاميرا فقط، لكن أيضًا إبعاد جسمك عن الشاشة كلها عبر التحرك في المكان.

6- ستكون هناك دائمًا اجتماعات لا يمكنك التغيب عن حضورها، لكن هناك أيضًا اجتماعات يمكنك تخطيها أو تفويض أحد آخر بالقيام بها.

7- جدوِل اجتماعاتك في الأوقات المناسبة لك. البعض يفضل تكديس الاجتماعات في الفترة الصباحية، والبعض يفضل وضع فواصل زمنية كبيرة بين كل اجتماع وآخر. افعل ما يناسب صحتك الذهنية طالما كان ذلك مستطاعًا.

مجتمع

منذ سنة واحدة
كيف يجب أن تنظم مكاتب العمل خلال جائحة كورونا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد